وقائع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

نعيش هذه الأيام في نسمات شهر الله المحرم، الذي نستقبل فيه السنة الهجرية الجديدة 1445. في كل مطلع السنة الهجرية نتذكر وقائع هجرة سيدنا محمد ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. يحتل هذا الحدث مكانة عظيمة في قلب كل مسلم ومسلمة. لعظم أثار الهجرة النبوية على الدعوة الإسلامية اتخذها سيدنا عمر رضي الله عنه بداية للتأريخ الإسلامي. مكث سيدنا رسول الله  ﷺ في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس فيها إلى وحدانية الله تعالى في العبادة. «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» الأعراف: 158. فرفضت صناديد العرب في مكة ونواحيها دعوة سيدنا محمد ﷺ لأسباب اجتماعية وإعتقادية، ووقفوا بكل قوة في وجه دعوة النبي ﷺ إلى عبادة الله الواحد الأحد. «قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا» الأعراف: 70. مع مر الوقت والأيام رأى المشركون دعوة الإسلام تزداد يوما بعد يوم في الإنتشار، وأدركوا أنهم عاجزون عن وقف إنتشارها، بل قد بدأت تتجاوز حدود مكة. من خلال مواسم الحج بدأ الإسلام ينتشر في كل القبائل العربية. سئمت صناديد العرب من دعوة رسول الله ﷺ إلى عبادة الإله الواحد، فاجتمعوا في دار الندوة، ليتخذوا القرار الحاسم للتخلص من هذه الدعوة الجديدة. حول هذا الحدث يصور القرآن الكريم لنا صورة عميقة التأثير، فتجعلنا نتخيل ذلك المجلس المستديرالذي اجتمع فيه المتآمرون ليتدارسوا الخطة المناسبة للقضاء على هذا الدين الجديد.

كما يجعلنا القرآن الكريم نستحضر في أذهاننا صورة تدبير عملية الإعتداء على حق شخص يخالفهم في الإعتقاد والرأي. إنه تدبير دنيئ ومفزع، وإنها مؤامرة تهز القلوب، وتتألم منها مشاعر وعواطف كل إنسان ذو حس سليم وقلب دافئ. في يوم من الأيام تحت جنح الظلام اجتمع المتآمرون من أجل تحديد مصير سيدنا محمد ﷺ، فرأى بعضهم بأن يُقيد بالقيود، ويُلقى به في السجن، ورأى آخرون بأن يُنفى من مكة، وأما أبو جهل فقد رأى رأيا ينسجم مع حقده وعداوته لشخص سيدنا محمد ﷺ، وهو تدبير عملية قتل النبي ﷺ. فاستحسن الحاضرون رأي أبي جهل. فحددوا ساعة وطريقة تنفيذ عملية الجريمة. لكن صناديد العرب في مكة نسوا بأن هناك عين لا تأخذها سنة ولا نوم تحرص سيدنا محمد ﷺ من مكائد الأشرار، وأن الله من وراء كل ظالم محيط، وأنه ناصر دينه ونبيه. تحركت تلك القدرة القادرة، قدرة الله العظيمة، فأرسلت جبريل عليه السلام ليخبر نبيه محمد ﷺ بالمؤامرة التي يدبرها الماكرون. قال الله تعالى: « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ » الأنفال: 30. كانت هجرة النبي ﷺ فتحا مبينا ونعمة عظيمة للإنسانية. كانت الهجرة تحريرا للمستضعفين من بطش المتسلطين، وتمكينا لهم في الأرض. «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» النور: 55. برزت شخصية سيدنا محمد ﷺ عابدا وزاهدا ومعلما ومربيا ومرشدا وخطيبا وإماما وقائدا ومشرعا وقاضيا. فقد أحدث ﷺ داخل مجتمعه وخارجه تغييرا شاملا في المجال التعبدي والسلوكي والإجتماعي. إن أول عمل قام به ﷺ في المجتمع الجديد هو بناء مؤسسة المسجد، كمكان للعبادة، ومدرسة للتربية والتعليم، ومقر للتشاور والقيادة. أكد النبي ﷺ في المجال الأخلاقي على مجموعة من القيم التي لم تكن في حد ذاتها جديدة، كالعدالة، وحفظ الأمانة، والوفاء بالعهد، والتراحم والصدق. وفي المجال الإجتماعي خاض النبي ﷺ معركة تحرير الإنسان من أسر نفسه واسر الآخرين، وترشيده إلى أهمية الكرامة والعدالة والحرية. « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً« الإسراء: 70.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية