هل للسياسة أخلاق تضبطها؟

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

إن العالم اليوم يموج بالصراعات، وعمت بين الناس نيران الرعب، واستشرت في أوساطهم مشاهد الدمار الذي أصبح هاجسًا مقلقًا يتنادى العقلاء لدرئه ووقفه. إن فكرة قصف الأحياء السكنية آفة خطيرة، وفساد عظيم. ولسوء الحظ، فإن هذا يحظى بتأييد كامل في الحياة السياسية الدولية. أليس غريبا أن نرى كثيرا من المآسي الإنسانية، وكثيرا من التردي في المبادئ الإنسانية؟ يستغرب كثير من الأحرار من سياسات الدعم الأعمى، ويتساءلون إلى أي مدى ستؤدي هذه السياسة بالمجتمعات الإنسانية؟ وهل يمكن للسياسة أن تنجح وأن تؤدي دورها الإنساني دون ان تستند إلى القيم الأخلاقية؟ بالطبع من عادة السياسين أن يلبسوا سياساتهم لباس الحق، ويزينوها بكلمات رنانة كما تزين العروس ليلة زفافها. وعلاوة على ذلك يلبسون الحق لباس الباطل. يكشف القرآن الكريم النقاب عن أسرار بعض النفوس وسياساتها. يقول تعالى: « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ» البقرة: 11ـ 12. إن السكوت عن سفك الدماء، وترويع الناس من أشنع صور الفساد، ووصمة عار على الإنسانية. وقد قيل: « الساكت عن الحق شيطان أخرس، والناطق بالباطل شيطان ناطق». يؤكد القرآن الكريم على قضية جوهرية في استقامة الحياة، وهي مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ال عمران: 104. لم يعد خافيا حقيقة التردي الكبير التي باتت عليها السياسة في عالمنا المعاصر.

إن الفساد ظاهرة مركبة ومعقدة، وهي تشمل الاختلالات التي تمس أخلاقيات السياسة. ومن خلال هذا الواقع المر الذي نعيشه اليوم تتراءى في أذهاننا باستمرار أسئلة، مثل: هل للسياسة أخلاق تضبطها؟ أم أن السياسة في طبيعتها غير أخلاقية وهي تتقلب مع تقلب المصلحة وجودا وعدما؟ إذا كانت للسياسة أخلاق، فلماذا يتلاعب رجال الساسية وأعوانهم بالمصطلحات القِيَّميَّة، والمبادئ الأخلاقية؟ يعد الفساد السياسي بشتى أطيافه أحد معاول الهدم التي لا تُدمر حياة الناس والتنمية الاقتصادية فحسب، بل هي تُدمر أيضا النظام البيئي، الذي تقام من أجله المؤتمرات والدراسات والبرامج. ما مدى قيمة فصل النفايات المنزلية وإعادة تدويرها. إذ تُحدث الحرب دمارا بيئي للأراضي الزراعية، وتلويثا للهواء والماء، وتسبب أضرارًا مختلفة لكوكبنا بشكل عام ، مما يؤثر على الإنسان والحيوان صحيا ومعيشيا. إن الحياة بدون حروب تجعل العالم آمنا وسليما من التلوث. إن العقائد التي بنيت على الأساطير هي أبرز عوامل الإنحراف، وأساس كل الصراعات، فمن خلالها ينظر البعض إلى الوجود وإلى الآخرين، وعلى أساسها يضعون الموازين. إنها الزاد الروحي في كل ما يفعلونه، يقول الله تعالى: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ» البقرة: 205. إن النفس التي لا تخشى الله، ولا  ضمير إنساني يردعها لا تبالي بارتكاب المنكرات، وهي مصدر كل بلاء. من المؤسف أن نرى السياسية في عالمنا المعاصر ابتعدت عن مسار العدالة، حيث إن العدالة قيمة مطلقة، لا تعرف انحيازا ولا مداراة. إن مصداقية السياسة تكمن في تحقيق العدالة في كل شأن، وفي كل مكان. العدالة لا تقبل الإنتقائية ولا الإزدواجية. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» المائدة: 8.

يقول تعالى: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» التكوير: 8 ـ 9. فما هو الجواب الذي يعده السفاح حين تسأله الموءودة بأي ذنب دفنت تحت أنقاض بيتها. ياترى كم نفس بريئة دفنت تحت ركام البيوت المدمر، وسقوفها المنهارة؟ لقد إختار بعض الناس أن يسلكوا طريق سفك الدماء أملا أن يحققوا غايتهم المرجوة، لكنهم سيعلمون بعد حين أن الطريق الذي سلكوه هو طريق الخيبة والندامة، من الأسف أن الإنسان لم يتعلم من تجربة الفظيعة ابن آدم قابيل، حين سفك دم أخيه هابيل. يُخبر القرآن الكريم عن حالة نفسية قابيل بعدما أن سفك الدم التي حرم الله تعالى سفكها. يقول الله تعالى: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ» المائدة: 30. 

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية