مقتضيات لا إلاه إلا الله

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

لا إلاه إلا الله تسكن النفوس القَلِق، وتُجبر القلوب المُنكسر. ومعناها أن الله واحد ليس له شريك، وليس كمثله شىء. مهما تصور الإنسان بباله وتخيل، فالله بخلاف ذلك، ليس له حجم ولا شكل، منزّه عن الأشكال، ومنزّه عن الشبيه والنظير. قال تعالى: «فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11 لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 12 » الشورى. خلق الله عز وجل كل شىء، ولا يحتاج إلى شىء، ويحتاج إليه كل المخلوقات. إن الله موجود ليس بداية ولا نهاية، ولا يجري عليه زمان، ولا يحويه مكان سبحانه وتعالى. لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتفكر في الكون من حولنا، وفي كل ما خلقه الله فيه من المخلوقات، وما سخره الله من نعمه التي تحيط بنا، ونهانا عن التفكر في ذات الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: » تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ «الطبراني. لأنه سبحانه وتعالى لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون. « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» الأنعام: 103. لاإلاه إلا الله هي أساس العقيدة الإسلامية، وبها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب. «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ» الأنبياء: 25. للعقيدة الإسلامية ستة أركان بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: « أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ » مسلم. وأول ما يخل بهذه أركان هو الشرك. «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) الزمر: 65. والشرك نوعان: شرك أكبر وهو أن يتخذ الإنسان مع الله أومن دونه إلهاً يعبده بأي نوع من أنواع العبادة. والنوع الثاني شرك أصغر، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اَلشِّرْكُ اَلْأَصْغَرُ: اَلرِّيَاءُ » أحمد.

إن التعلق بالله تعالى هي وسيلة كلِ نجاح وفلاح. فالمتأمل في خلق الله تعالى يدرك أن الله تعالى إله واحد ، واحد في ذاته، واحد في صفاته، وواحد في أفعاله. لا إلاه إلا الله هي كلمةُ الله العُليا، وبها كلَّم الله مُوسَى من غير واسِطة: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾ [طه: 14. وهي أعلى شعب الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: « الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» مسلم. وهي أزكَى كلام، وأثقَل في المِيزان، وحرز من الشيطان، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ‏.‏ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ » البخاري. لا إله إلا الله هي أحسن ما تُعطّر بها الأفواه، وتُحرَّك بها الشِّفاه. لا سبيل للشيطان، ولا للسواس، ولا للخرافة إلى ذهن وقلب يؤمن بلا إلاه إلا الله، ويتبع مقتضياتها. قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [النحل: 99، 100

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

كلما ارتقى الإنسان في تفكيره كلما ارتقى أيضا في مراتب إدراك مدلولات لا إلاه إلا الله. تُنقذ مقتضيات لا إلاه إلا الله الإنسان من زيغ قلبه، وافكاره السلبية، وظلمات الجهل، وأوهام الخرافة. بمدلولات لاإلاه إلا الله ينقذ الإنسان نفسه من الدجالين، وتخرجه من التيه والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة، ومن الضلال إلى والهداية، كما تخرجه أيضا من الدينونة لغير الله، إلى الدينونة لله وحده. إن الدينونة لله تعالى تجعل الإنسان يشعر بالأمن والطمأنين. بتوحيد الإنسان اعتقاده، وتحديد مقصده يعرف سبب وجوده، وهدفه في الحياة. فيسعى بذلك جاهدا لمرضاة ربه عز وجل. وأما الذي يدين لهواه وشهواته فهو يعيش في قلق واضطراب. شتت بذلك اعتقاده، وبعثر قصده، فهو حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، فتمزقت بذلك اتجاهاته وتصوراته. قال تعالى: » فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا» طه: 123، 124. ومن مقتضيات لا إلاه إلا الله أن الله عزوجل هو الشافي من الأمراض والأسقام، وأن العلاج ما هو إلا وسيلة. قال تعالى: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ » الأنبياء: 83، 84. إن بعض المرضى تعلقت قلوبهم بالأسباب، كتناول الدواء، وزيارة الطبيب، والواجب أن يتعلق قلب المريض بالذي جعل الطبيب والدواء سببا للشفاء. والطبيب ما هو إلا مسخر من قبل الله تعالى ليعالج المرضى. للأسف بعض المرضى أو أقاربهم يغضبون على الطبيب إذا أخبرهم بعدم قدرته على علاج مرضهم. فلا تيأس أيها المسلم إن كان في العمر بقية، ففرج الله قريب، فخذ بالأسباب، واعتمد على مسبب الأسباب، ولا تعتمد على السبب نفسه. قال سيدنا ابراهيم عليه السلام: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» الشعراء:80.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية