مقاصد الحج

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

 ان الحديث عن الحج زمانا ومكانا ليس حديثا عن رحلة إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج فحسب، بل هو حديث عن رحلة روحانية اسلامية لها تشريعاتها الدينية، وقيمها الاجتماعية. لابد من أن ندرك أن العزم على أداء فريضة الحج، يجب أن تكون مسبوقة بنية تعقد العزم على أن العودة من هذه الرحلة، يجب أن تكون فاعلة ومؤثرة في تقويم سلوك الحاج واستقامة اعوجاجه. إن الحج ركن من أركان الاسلام الذي تتشوق إليه القلوب المسلمة، وتتستجيب له الأفئدة المؤمنة على اختلاف أجناسها، وتعدد ألوانها، واختلاف قبائلها وأنسابها. إن الحج مؤتمر اسلامي كبير، وتجمع ديني ضخم، يلتقي فيه المسلمون والمسلمات من بقاع الأرض المختلفة استجابة لدعوة أبي الأنياء ابراهيم عليه السلام. قال تعالى: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» الحج 27-30. ان شعار جميع الحجاج واحد وهو »لبيك اللهم لبيك» شعار التوحيد، واستجابة لأمر الله تعالى. فهو شعار يوحد كلمة المسلمين ويبطل جميع الشعارات التي هي سبب التفرقة والشتات.

إن من معاني وأسرار الحج: هي تعويد النفس على انتظار الفرج، إن الشدة لا تطول، وإن بعد الكرب يأتي الفرج، وإن بعد العسر يأتي يسر على إثره، أليس بعد ظلمة الليل يأتي نور الصباح! حينما يسعى الحاج بين الصفا والمروة يتذكر هاجر – عليها السلام – وما تلقته من ضيق وشدة حينما نفذت معونتها التي تركها لها ابراهيم عليه السلام، نفذ ماؤها وطعامها، وبدأت تسعى بين الصفا والمروة بحثا عن ماء تشربه؛ لتتقوى وترضع وليدها إسماعيل. فتح الله على هاجر ورزقها ماء، وأعقبها الله بعد ذلك الضيق والشدة فرجا ورحمة. وقد أصبح ذلك السعي سنة باقية إلى يوم الدين، وشعيرة من شعائر الحج. ومن أسرار الحج ومقاصده تربية نفوس المؤمنين والمؤمنات على جمل من معاني الخير ومكارم الأخلاق، إذ يتدرب الحاج على الصبر و التحمل، والصفح والعفو، والنفقة والإحسان. أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أخلاق الحج بقوله: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» البخاري. ومن مقاصد الحج تذكر حال الأنبياء والمؤمنين، وما كانوا عليه من قوة الإيمان واليقين، فلنذكرجميعا توحيد إبراهيم – عليه السلام – وهجرته إلى ربه، واستسلامه لأمر ربه العظيم، في ذبح ابنه وفلذة كبده، امتثالاً، وطاعة لربه تبارك وتعالى، لقد ضرب عليه السلام مثلا يحتذى به في الصبرعلى البلاء. استقبل ابراهيم عليه السلام البلاء المبين بالصبر واليقين والرضا بقضاء رب العالمين، ففدى الله تعالى اسماعيل بكبش عظيم، حينما علم الله صدق اخلاص ابراهيم عليه السلام، وعزمه الجازم على امتثاله لربه تبارك وتعالى.

الخطبة الثانية:

 الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

 إن من أسرار الحج ومقاصده تأكيد على مبدأ المساواة. إن صورة المساواة بين الناس تتجلى بشكل واضح في الحج، حيث يجتمع المسلمون من كل جنس ولغة ولون في صعيد واحد لباسهم واحد وعملهم واحد ومكانهم واحد ووقتهم واحد، وحدة في الشعائر، ووحدة في القصد، لكن ترى الفرق في السلوك وفي المعاملات. في حديث شريف يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على مبدإ المساواة بين الناس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» أحمد. التقوي هي الغاية العظمي للج، حيث بها تصلح الدنيا، وتسعد البشرية. التقوى تمنعنا من ظلم الآخرين، وتحثنا على الإحسان. ومن مقاصد الحج تذكر الحقيقة القائبة الحاضرة التي تنتظر كل انسان، فلباس الإحرام يذكر بحقيقة غابت عن تفكيرنا وتكرهها نفوسنا، ألا وهي مفارقة الأحباب وترك الأموال، والانتقال إلى الحياة الآخرة، فحقيقتها مؤكدة بقوله عز وجل: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» العنكبوت، 57. يجعل لباس الإحرام الحاج يتذكر الموت، ولباس الكفن ، كما أن ذلك الجمع الغفير من الحجاج في مكان واحد وكل واحد منهم يبتهل الى الله بالدعاء، يذكر الحاج بموقف المحشر الذي يجتمع فيه جميع الخلق، وكل فرد قد ينشغل بنفسه عن غيره كما وصف الله ذلك اليوم بقوله: «يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» الحج، 2.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية