مراحل حياة الإنسان

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

بعد أن يكتمل خلق الإنسان في بطن أمّه يخرج إلى الحياة الدّنيا، وتتفتّح عيناه على آفاقها، ثم ينتقل فيها بمراحل العمريّة المتعددة، حيث يكون في أوّلها طفلاً مدلّلاً بين أبويه، ثمّ تأتي مرحلة الشّباب، حيث يصبح فيها مكلفا ومسؤولا عن تصرفاته، ثم تأتي مرحلة الرشدـ ليكون في ريعان عطائه ونشاطه، وأخيرا تأتي مرحلة الشيخوخة. في كل مرحلة من هذه المراحل تتم في الإنسان تغيرات فسيولوجية وعقلية وخُلقية واجتماعية. يقول الله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»غافر: 67. قسم القرآن الكريم مراحل عمر الإنسان باعتبار القوة والضعف إلى ثلاثة مراحل: الأولى مرحلة الضعف، والثانية مرحلة القوة والرشد، والثالثة مرحلة الشيخوخة. في هذا السياق يقول المولى عز وجل: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ» الروم: 54. لقد حث القرآن الكريم والسنة النبوية على تربية الطفل بدنيا وعقليا واجتماعيا، وتنشئته على مبادئ الإيمان بالله تعالى، وقيم العدل والرحمة. ومن سعة رحمة الله تعالى جعل مرحلة الطفولة مرحلة التلقين والتأثير في شخصية الطفل، ولم يجعلها مرحلة التكليف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» أبو داود. لذلك أمر الله تعالى الآباء باحسان تربية أبنائهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى» طه: 132. أعظم ما يهتم به المسلم والمسلمة هو تربية أولاده على الإيمان بالله تعالى، والأخلاق الحميدة، وما تتضمنه مقتضى إقامة الصلاة. وقال تعالى على لسان لقمان عليه السلام: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» لقمان: 17- 19.

بعد مرحلة الضعف تأتي مرحلة القوة والعطاء، حيث ذكر الله تعالى هذه المرحة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، منها قوله عز وجل: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» الأحقاف: 15. يتحلى الإنسان في هذه المرحلة بطاقة حيوية، وطموح كبير. إن الشباب زهرة مجتمعنا التي تمده بأريجها العطرة روح الحياة. فعلينا أن نأخذ بأيدي شبابنا وفتياتنا الى حياة تحكمها طاعة الله تعالى، ومكارم الأخلاق، حتى لا يستفزهم الشيطان بخدعه، ولا يستزلهم بحيله، ولا يغرهم بآماله الباطلة. يقول الله تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا» الأعراف: 27. تتميز مرحلة القوة بالرشد حيث تستقر لدى الإنسان غرائزه، وتتفتح مداركه، ويصل في هذه المرحلة إلى حالة من النضج العقلي، وذلك بامتلاكه درجة من النمو الكافي في القدرات العقلية والمهاراتية في الجانب التفكيري والمعرفي، حيث يكسب الإنسان في هذه المرحلة شخصية تتفاعل مع مجتمعه بصورة طبيعية تؤثر فيه وتتأثر منه. في هذه المرحلة تكتمل الوظائف العقلية والروحية والإجتماعية بصوة تمكن الإنسان من فهم الحياة بتناقضاتها المختلفة والمعقدة. لقد حددت الآية الكريمة التي سبق ذكرها خصائص مرحلة القوة: أولها الحرص على شكر الله تعالى على نعمه. ثانيا الإهتمام بتربية الذرية وتنشئتهم على فهم الدين الصحيح. ثالثا الإجتهاد على العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى. رابعا التوبة النصوح والإستقامة على منهج القرآن الكريم.

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

وبعد هذه المرحلة من القوة والعطاء تأتي مرحلة الشيخوخة وهي المرحلة الأخيرة من مراحل حياة الإنسان. وأحوال الإنسان فيها متفاوتة، فآخرها عجز، ومرض، وضعف. يصف الله عز وجل في الآية الآتية مراحل حياة الإنسان. يقول الله سبحانه وتعالى: «وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ » الحج: 5. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يحفظه من بعض الحالات التي قد تصيب الإنسان في حياته. ومنها الهرم. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه سبل السلام: والمراد من الرد إلى أرذل العمر: هو بلوغ الهرم والخرف، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ كل دبر صلاة بهذه الكلمات: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ » البخاري. بعدما يتقدم الإنسان في العمر يشعر أن كل شيء فيه يتغير، وأن بصمات السنين بدأت تظهر آثارها على جسده، حيث يصبح عاجزا عن أداء واجباته الدينية والإجتماعية، وعن رعاية نفسه. فعلى الشباب أن لا ينسو فضل الشيوخ، بفضلهم وجدنا، وبجهدهم وصلت إلينا مختلف الثقافات البشرية، وأساليب تفكيرهم، وبذاكهم نقلوا إلينا جميع العلوم والقيم. إن الشيوخ هم تاريخ أمتنا ورمزها وحكمتها، وعلى أكتافهم قامت المؤسسات، وأنشئت الحضارات. يقول الني صلى الله عليه وسلم في فضل كبار السن: «إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» أبو داود.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية