قصة الإسراء

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

لقد أحب الله عبادا، فأمرنا بحبهم، وفضل أزمانا وأماكن فأمرنا بتعظيمها وتقديسها. أحب الله الأنبياء والصديقين، وأحب رمضان وليلة القدر، وأحب الله المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ,فأمرنا بتشريفهم وتعظيمهم. كل إنسان خلق الله فيه عاطفة تدفعه إلى حب شيء أو بغضه، وكل أنسان يوزن بما يحبه أو يكرهه. نحن المسلمين والمسلمات نحب ونعظم ما يحبه الله تعالى ويعظمه. نعيش في هذه الأيام أواخر شهر يحبه الله ورسوله، و هو شهر رجب الذي يذكرنا بأحداث عاشها سيدنا محمد ﷺ في العام العاشر لذي البعثة، في هذه السنة عاش سيدنا محمد ﷺ حالة من الحزن، حيث توفي عمه ابو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش، وقبل أن يَضِمد جرح وفاة عمه، توفيت أيضا زوجته خديجة بنت خويلد، الحضن الدافئ، و الملاذ الآمن، التي كانت تغمره بعطفها، وتحفه بفيض حنانها. لما فقد النبي هذين العمدتين الداعمتين للدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، بدأ يبحث عن مناصر جديد لدعوته، وحماية لأصحابه من ظلم قريش، فذهب إلى الطائف مشيا مسافة طويلة وشاقة، لكن أهل الطائف خيبوا أمله، وطردوه شر طردة، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فلجأ إلى ظل شجرة، فرفع يديه إلى السماء، فقال: « اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك« ابن هشام.

عاد سيدنا محمد إلى مكة والأسى يملأ قلبه، أصحابه مشتتين بين مكة والحبشة، واضطهاد قريش للمسلمين قد وصل ذروته، ومستقبل دعوة الإسلام يحوفها الظلام، أما لهذا الليل الذي طال ظلامه من صبح مشرق. بلى! إن بعد العسر يسرى، وبعد الظلام الشديد تشرق الشمس ساطعة في السماء، وتبعث أشعتها الدافئة على الأرض، وتكتسي الطبيعة بأجمل حللها، وتنتشر العصافير فوق الأشجار تغرد بأصواتها العذبة. في إحدى الليالي جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ فأخذه على البراق، وانطلق به من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس. في هذه الرحلة طوى الله عز وجل لسيدنا محمد  ﷺ المسافات والأزمنة، وآراه من آياته الكبرى. يقول الله تعالى عن رحلة أسراء سيدنا محمد ﷺ: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» الإسراء: 1. كانت رحلة الإسراء معجزة مكافئة ربانية، وتسلية مذهلة مسحت أحزانه ﷺ، وبثت في نفسه الثقة، والثقة بالنفس والتوكل على الله تعالى مفتاح النجاح في حياة كل إنسان. لقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حين قال:  

يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ        أَبْشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ
اليأسُ يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِــــبِهِ        لا تــــَيْأسَنَّ فإنَّ الكافيَ اللهُ
اللهُ يُحْدِثُ بعدَ العُسرِ مَيْسَرَةً         لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ القــاسمَ اللهُ

لقد ثارت هذه المعجزة الربانية جدلا بين مصدق ومكذب، وبين من يؤمن بالغيب ومن ينكره. إن الإيمان بالغيب ركن من أركان الإيمان، وحاجة ضرورية في حياة الإنسان. قال الله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» البقرة: 1ـ 3. يجعل التصديقُ بالغيب الإنسانَ يقتنع بأن العالم المحسوس ليس إلا جزءًا يسيرًا من الوجود. إن الوجود بالنسبة للإنسان غيب وشهادة. قال الله تعالى: «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ» الرعد: 9. يروي الإمام  محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري عن أم المؤمنيين عائشة، قالت: « لما أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به، وصدَّقوه، و سَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ و جاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ».  تحتل البيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك منزلة رفيعة في الإسلام، حيث صلى سيدنا محمد ليلة الإسراء إماما بالأنبياء عليهم السلام. فهي مسرى سيدنا محمد ، ومحور أحداث الماضي والحاضر، وموطن الأنبياء،  قال الله تعالى: « وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ» الأنبياء: 71. من المؤسف أن نرى أقوام جاؤوا وياتوا من كل بقاع الأرض ليسفكوا دماء سكان الأصليين للأرض المبارك، ويطاردونهم من بيوتم، والعالم الظالم أهلها يؤيدون أو يتفرجون لما يحدث في الأرض المباركة، لا غالب إلا الله.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية