فضائل عمل الخير

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

إن فعل الخير مقصد من مقاصد ديننا الإسلامي، وفضيلة من الفضائل التي يحبها الله سبحانه وتعالى. حيث نقرأ في كتاب الله تعالى آيات بينات، وفي سنة نبينا محمد أحاديث تحثنا على فعل الخير. قد وردت كلمة الخير في مائة وتسعين آية في القرآن الكريم. جعل الله تعالى فعل الخير مكرمة من مكارم الأخلاق، وفضيلة من الفضائل التي نكسب بها الثواب العظيم، ونسعد بها في حياتنا. يقول الله تعالى: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا» المزمل: 20. وقال تعالى: «وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» الحج: 77. يتجلى مفهوم الخير من خلال تحقيق المصالح التي تحفظ النطام الإجتماعي في وحدته واستقراره وأمنه. إن الخير عبارة عن مصالح اجتماعية، واقتصادية وبيئية. ترتبط الصدقة، واغاثة لهفة الملهوفين، وتنفيس كربة المكروبين، وتفريج هم المهمومين، وإصلاح بين الناس ارتباطا وثيقا بكل معاني الخير. في هذا السياق يقول الله تعالى: « لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» النساء: 114. لقد وضع القرآن الكريم نظاما إجتماعيا مبنيا على لحمة التراحم والتعاطف، وعلى مبدأ التكافل والتضامن. القوي يعطف على الضعيف، والغني يساعد الفقير، والصحيح يرعى ويواسي المريض. تعد هذه الأعمال من أسمى مظاهر الإنسانية في الإسلام، ومظهر من مظاهرتضامن المسلم والمسلمة مع إخيه الإنسان ساعيا لتخفيف من معاناته. في هذا السياق قال سيدنا محمد : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا  مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» الترمذي. يصف القرآن الكريم كل ما هو طيب ونافع للحياة بالخير. ففعل الخير هو إحدى القيم الإسلامية المطلقة. كما أن فاعل الخير يُسعد الآخرين ويُخفف من معاناتهم، فهو أيضا يكسب من خلال ذلك الرضا، وينمي في نفسه حب فعل الفضائل التي تحقق له الصفاء الروحي وصلاح الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» البقرة: 110. ما من إنسان إلا وقد تراود نفسه ألوان من الأماني الخيرية أو السيئة، تختلف صورها باختلاف قناعاته الشخصية. فالأماني الخيرية تتسلى بها النفوس ، وتتحفز بها الهمم. قال الشاعر الحسين بن علي الطغرائي:

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُـــــبُها        ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ        فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ

 يعلمنا سيدنا محمد ﷺ أن الأماني سيف ذو حدين، فمن تمنى فعل الخير، وإن لم تعمله جوارحه، يأتيه الله من فضله وتحفه البركات. ويخبرنا سيدنا محمد أيضا عن مواقف الناس في فعل الخير، حيث قال ﷺ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً، وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» الترمذي. إن فعل الخير تعبير عن الشكر والعرفان لله تعالى على نعمه، ويزيد الله الشاكرين فضلا وكرما. قال الله تعالى: « وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ » ابراهيم: 7. يؤثر الدعم للمحتاجين إيجابا على حياة فاعله. يُخرج فعل الخير الإنسان من ذاته الضيقة إلى أفق آخر ينظر من خلاله إلى كربات وحاجات الناس من حوله. فمن فرج هما عن إنسان، فرج الله عنه همومه. «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» الترمذي.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية