خطوات مناسك الحج

لحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

إن الحج فريضة عظيمة يلبي نداءها جمع غفير من المسلمين تلبية لأمر ربهم، واتباعاً لسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم، وابتغاء للمغفرة والثواب، ونيل خيري الدنيا والآخرة. إن في الحج دروسا وعبرا كثيرة. يتجرد الحاج من ثيابه، يلبس إحرامه، حاسرالرأس، متذللا إلى خالقه، راغبا في رحمة ربه. إن الشوق إلى الله يقود الحجاج، والإخلاص لأداء شعيرة الحج تسوقهم، ودموع التوبة من عيونهم تنهمر. تتغير وتتبدل أشكال وأحوال الحجاج عند مقات الإحرام، حيث تختفي مظاهر الترف والتمييز. يخلع الحجاج لباسهم المحبوبة، ويلبسون رداء وإزارا، لون واحد، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين رئيس ومرؤوس، فالكل سواسية متذللين لربهم، مبتغين فضل خالقهم. إذا وصل الحاج إلى الميقات، تطهر وتطيب، ثم لبس ثياب الإحرام، بالنسبة للرجل إزارا ورداء، وأما المرأة تلبس ما تشاء من الثياب، ثم يقول لبيك عمرة إن كان متمتعا، أو يقول لبيك حجا إن كان مفردا أو يقول لبيك عمرة وحجا إن كان مقترنا.  ثم يشرع في التلبية: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ» مسلم. فإذا وقع بصر الحاجِّ على الكعبة المُشرَّفة ، رفع يديهِ وقال : «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً ، وَزِدْ مِنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا» البيهقي. فإذا وصل الحاج إلى بيت الله الحرام طاف حول الكعبة سبعة أشواط. يبتدأ الحاج الطواف من الحجر الأسود، ويقول   « بسم الله، والله أكبر، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ , وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ , وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ » البيهقي. ويستحب أن يقول: « اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفرواً، وسعياً مشكوراً»، « اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم » حتى إذا أتى على الركن اليماني قال: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» البقرة: 201، إلى أن يصل إلى الحجر الأسود، ثم يبدأ الشوط الثاني، فيكرر هذا الذكر في كل شوط.

بعد الطواف يصلى الحاج ركعتين خلف مقام ابراهيم إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من المسجد، ويُسَنّ أنْ يتجنَّب الحاج إيذاء الناس ومُزاحمتهم، وأنْ يتلّطَّف ويرْحم إخوانه الحجاج. ثم يذهب الحاج إلى الصفا، فيفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: قال جابر بن عبد الله: «خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ‏« إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا» البقرة:158. نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ،‏ فَبَدَأَ بِالصَّفَا،‏ فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ وَقَالَ:الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ابن ماجه. ثم يسعى الحاج إلى المروة، فإذا صعد الحاج المروة حمد الله وفعل كما فعل على الصفا. فإذا تم الحاج السعي بين الصفا والمروة وحلق أو قصر شعره، والمرأة تقصر من شعرها قدر أنمله وبهذا يكون الحاج أو الحاجة المتمتع قد أتم عمرته، ومن ثم يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام. وفي صباح يوم الثامن من ذي الحجة ينظف الحاج جسمه ويتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يقول لبيك حجا إن كان متمتعا، ويتوجه الحجاج على اختلاف نسكهم، متمتعين وقارنين ومفردين إلى مشعر منى، فيصلي فيها الحجاج، الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

 وبعد طلوع الشمس يوم التاسع من ذي الحجة يتوجه الحاج إلى عرفات بهدوء وسكينة ملبيا «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ». إن الوقوف بعرفة هو الركن الثاني من أركان الحج بعد الإحرام. يمكث الحجيج في عرفة حتى غروب الشمس، يدعون الله ويذكرونه ويبتهلون إليه، ويصلون فيه الظهر والعصر جمعاً وقصراً، مقتدين في ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. يفضي الحاج بعد غروب الشمس إلى المشعر الحرام، فيصلي فيه المغرب والعشاء جمعا، ويستحب فيه المبيت، وصلاة الفجر، ثم يلتقط سبع حصيات، ويتوجه الحاج إلى الجمرات لرمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات متعاقبات، ويكبر مع كل حصاة، ثم يذبح الهدي إن كان عليه هدي، ثم يحلق أو يقصر شعر رأسه، والمرأة تقصر من شعرها قدر أنملة، ثم يذهب الحاج إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة. وطواف الإفاضة هو الركن الثالث للحج، ويسعى بعده إن كان متمتعاً، أو إذا لم يكن قد سعى من قبل مع طواف القدوم لمن كان قارناً أو مفردا، والسعي بين الصفا والمروة هو الركن الرابع للحج، وبهذا يتححل الحاج التحلل التام. ثم يرجع الحاج إلى منى، ويبيت فيها أيام التشريق وجوبا اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيرمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر، والثاني عشر -إن كان متعجلا، وإن لم يكن متعجلا-  رمى أيضا في اليوم الثالث عشرالجمرات الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات. يبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، والسُّنَّة في الرمي في هذه الأيام بعد الزوال لفعله صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية