جمالية التفاؤل

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

  تعج مسيرة الإنسان بمنعطفات ومشاكل متنوعة، حتى تكاد نفوس بعضنا تغشاها سحب اليأس، وغيوم التشاؤم. تجعل المنعطفات الحياتية الإنسان في حالات مظلمة. يعيش بذلك في صراعات مع أهوائه ومحيطه. تؤثر هذه الصراعات على الصحة النفسية والبدنية. حين يتوالى اليأس والإحباط على الإنسان يكون هو بحاجة إلى من يوقد في نفسه شعلة الأمل والتفاؤل، ويرسم له معالم النجاح. ذكر الله تعالى كلمة الأمل في القرآن الكريم مرتين: الأولى: جاء ذكرها في سياق الذم والإنكار، وهو يتحدث عن الذين يغرهم الطمع، ويلههم الأمل الزائف، والأنانية المفرطة حتى يمضي بهم العمر، وتضيع منهم فرصة التوبة وإصلاح ذواتهم. قال الله تعالى: « ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »الحجر: 3. والثانية جاء ذكرها في سياق المدح، والحث فيما عند الله تعالى من خير وثواب. الثناء والتشجيع هما القوة الدافعة لنا للمضي قدمًا والقيام بعمل أفضل.

قال الله تعالى: « الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا» الكهف: 46. لا يمنع الإسلام التمتع بزينة الحياة في حدود الطيبات، ويؤكد القرآن الكريم على أن المال والأولاد  ليست هي القيمة التي يوزن بها الإنسان، وإنما القيمة الحقة هي للعمل الصالح وعبادة الله تعالى. إن التفاؤل شعلة من نور الله تعالى فلننور به قلوبنا، فنور التفاؤل إن تعلق بقلب الإنسان أنار بصيرته، وبعث في نفسه وبدنه الحيوية والنشاط.  نقرأ في كتاب الله تعالى آيات تبعث في القلب الإطمئنان وفي النفس روح التفائل. منها آيات قصة سيدنا أيوب عليه السلام، لما أعقده المرض، وشدت جميع طرق العلاج في وجهه، ولم يبق له إلا أن يقوي الجانب الروحاني في ذاته، فلازم الدعاء والتضرع إلى ربه بإخلاص. قال الله تعالى: « وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ» الأعراف: 205. والمقصود هنا ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان، ولكنه الذكر الذي  ينبعث من صميم القلب والجنان الذي يصفو به الجوهر الروحي.

يقص القرآن الكريم في مواضع مختلفة تضرع الأنبياء والصالحين ويصوره بأسلوب بسيط، ويعرضه بجمالية فريدة، بحيث يشوق القارئ ويجذب انتباه المستمع بطراوة لغته، وعذوبة بيانه. يقول الله تعالى في شأن تضرع سيدنا أيوب عليه السلام: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ» الأنبياء: 83 ـ 84. التفاؤل فن تصنعه النفوس الواثقة بمعية الله تعالى. ومن هذه النفوس نفس سيدنا محمد ﷺ.  في رحلة هجرة سيدنا محمد ﷺ إلى المدينة حيث تحصن هو وصاحبه أبو بكر الصديق في طريقهما إلى المدينة. في غار ثور. أثناء وجودهما في الغار وصلت قريش ووقفت على بوابة الغار، فتسلل الخوف واليأس إلى قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقال لسيدنا محمد ﷺ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فرد عليه الواثق بالله تعالى، المتفائل الفأل الحسن ﷺ: « لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» التوبة: 40. هذه القصة النبوية تبث في القلوب الأمل، وتنمي فيهم التفاؤل، بهذا الموقف والسلوك يعلمنا ﷺ أن اليأس ليس من شيمة المؤمن أوالمؤمنة. فقول الله تعالى: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» يجب أن يكون في كل لحظة، وفي كل حالة شعارا لكل مؤمن ومؤمنة، لا سبيل للفرج إلا اتخاذ الأسباب و الإستعانة بالله تعالى، ولا سبيل لمواجهة الأحزان إلا بحسن التعامل معنا والتوكل على الله تعالى. والله عز وجل يقول: « فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ» ال عمران: 159.

القوي لا يظل قويا أبد الدهر، والمريض لا يظل مريضا طول العمر، وإنما يجعل الله من بعد الضعف فوة، ومن بعد العسر يسرا، ويجعل الله من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا فالأخذ بسنن الله الكونية، والتوكل عليه حق التوكل مفتاح ذلك كله. إن حالة  الشدة تكشف عن طبائع القلوب، تكشف درجة هلعا وثباتها، ودرجة ثقتها بالله تعالى، وياسها. «لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ» فصلت: 49. فدوام الحال من المحال، ومداولة الأيام وتعاقب الشدة والرخاء عظة للمتعظ، وعبرة للمعتبر «َتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ» ال عمران: 140.

  قال أبو القاسم الشابي:

إذا الشــعب يوما أراد الحياة       فلابــد أن يــستجيب القدر
ولابــد لـلــيـل أن يـنــجلــي       ولابــــد للــقـيـد أن ينكسر
ومن يـتـهـيب صعود الجبال       يعش أبــد الدهر بين الحفر

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية