بمناسبة ذكرى وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

لما أتم سيدنا رسول الله تبليغ الرسالة الإسلامية، وأدى الأمانة التي كلفه الله بها، ونور طريق الهدى للبشرية، نزلت سورة النصر مشيرة إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم. في مناسبة كثيرة كان صلى الله عليه وسلم يومئ لأصحابه باقتراب أجله، ويهيئهم للفراق له. ففي حجَّة الوداع خطب صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: « خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا » مسلم. وفي أواخر شهر صفر سنة 11 هـ خَرَجَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ صعد الْمِنْبَر فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ ـ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ ـ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا » البخاري.‏ قال الإمام النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه سلم ؛ فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتد جملة وقد عصمها الله تعالى من ذلك ، وأنها تتنافس في الدنيا وقد وقع كل ذلك ” شرح مسلم. بعد عودته صلى الله عليه وسلم من أحد، بدأت أعراض المرض تظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح الوجع يشتد يوما بعد يوم، وهذه المرة أصابته صلى الله عليه وسلم حمى لم يعهدها أصحابه من قبل. قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا‏.‏ قَالَ: « أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ »‏ قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ، قَالَ: ‏« نَعَمْ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا » البخاري. قال الإمام القرطبيّ رحمه الله: “أحَبَّ الله أن يبتليَ أصفياءَه؛ تكميلاً لفضائلهم، ورفعةً لدرجاتهم، وليس نقصًا في حقِّهم، مع رضاهم بجميلِ ما يُجريه عليهم”. خرج صلى الله عليه وسلم من بيت زوجه ميمونة والمرض يثقل كاهله متوكئا بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، حيث لايستطيع صلى الله عليه وسلم المسير. ترى فاطمة رضي الله عنها صحة أبيها تزيد سوءا يوما بعد يوما، فقالت: « وَاكَرْبَ أَبَاهُ‏.‏ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:‏ لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ » البخاري‏‏.

معشر الإخوة والأخوات:

بدأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاني بعلة غالبة، وإغماء متواصل، لكن كلما عاد إليه وعيه، أرشد وحث أمته على فعل الخير، وحفظ الصلاة. كان صلى الله عليه وسلم يغرغر بنفسه، وما يكاد لسانه ينطق بها: « الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ » أبو داود. فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحفاظ على وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فالصلاة مفتاح الخير والطمأنينة، ومهذبة النفس والسلوك. قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَالعنكبوت: 45. ويجب معاملة الزوجة والزوج والأولاد والخدم والرعية بالحسنى والرفق، فالكبير يرحم الصغير، والصغير يوقر الكبير، بهذا نحقق مجتمعا متراحما متلاحما. زادت شدة المرض بالجسد الطاهر الطيب حتى منعه عن الخروج للصلاة في المسجد. قَالت عَائِشَة: لما ثقل مَرَض رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «أَصَلَّى النَّاسُ»‏.‏ قُلْنَا لاَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏.‏ قَالَ: « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ».‏ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»‏.‏ قُلْنَا لاَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏.‏ فَقَالَ: « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ»‏.‏ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: « أَصَلَّى النَّاسُ »‏.‏ قُلْنَا لاَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏.‏ فَقَالَ: « ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ »‏.‏ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: « أَصَلَّى النَّاسُ »‏.‏ فَقُلْنَا لاَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏.‏ قَالَتْ وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ – قَالَتْ – فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ‏.‏ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقًا يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ‏.‏ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ‏.‏ قَالَتْ فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ وَقَالَ لَهُمَا ‏”‏ أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ ‏”‏ ‏.‏ فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ » مسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى شيئا قرأ القرآن، وتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء بالشفاء. عن عائشة رضي الله عنها: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» البخاري. وفي يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة انتقل فيه سيد الخلق الى الرفيق الأعلى. قال أنس رضي الله عنه: «بَيْنَا المسلمون فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلاَةِ‏.‏ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَالَ أَنَسٌ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاَتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ»‏ البخاري. ، واشتد المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتدادا كبيرا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: « لاَ لَهَ إِلاَّ اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ » ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: « فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى » حتى قُبض، ومالت يدُه صلى الله عليه وسلم» البخاري. كان خبر موت النبي صلى الله عليه وسلم شديدا على المسلمين، واضطربوا اضطرابا شديدا، حيث سكت بعضهم لا يستطيع الكلام، وكذب بعضهم الخبر لا يريد تصديق ما سمعه، وفي مقدمتهم سيدنا عمر رضي الله عنه. حيث قال: «إِنَّ رِجَالا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا مَاتَ وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. فَغَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعِنَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلْيُقَطِّعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ. وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ، فَانْصِتْ. فَأَبَى إِلا أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لا يُنْصِتُ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ. ثُمَّ تَلا قول الله تعالى: » وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَآل عمران: 144. قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَتْلُوهَا فَعُقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ إِلَى الأَرْضِ، مَا تَحْمِلُنِي رِجْلايَ وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ مَاتَ» ابن هشام. نعت فاطمة رضي الله عنها أباها بقولها: «يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ‏.‏ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ضي الله عنها لأنس مالك: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ» البخاري.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية