الموت بكرامة

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

قال تعالى عن نبيه أيوب عليه السلام: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ» الأنبياء: 83-84. يصاب كثير من الناس بالمرض، فمنهم من يكتب الله له الشفاء، ومنهم من تتحول حياته إلى قضاء ليال عدة في المستشفى، وزيارة الأطباء، واجراء التحاليل الطبية. يتعلق قلب المريض وأسرته في كثير من الأحيان بدور الأطباء، والأسباب المادية لإزالت ما به من داء، وينسى أن هناك ساعة سجلت لكل واحد منا متى سيغادر فيها هذه الحياة، وأن هذه اللحظة لا تقبل التأجيل ولا التقديم، ساعة قررها الجبار جل جلاله. قال تعالى: «وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» النحل: 61. فعلى المسلم والمسلمة الصبر والإحتساب والثقة أن الله سيشفيه، وعدم الغضب والسخط. «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» مسلم. يجب على المسلم والمسلمة أن لا ينسى أن قدرة الإنسان الطبية محدودة، وأن كثيرا من الأطباء يقفون أحيانا عاجزين لا يعرفون ماذا يقدمون وما يؤخرون. قال تعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا 82 وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا 83 قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا 84 وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85»الإسراء.

أسعد الناس هو الذي في اللحظة الذي يأتيه الموت وهو مستعد له بتوبة صادقة، وبطاعة تامة، ويجد من يقدم له الدعم المعنوي، ويذكره بالله والنطق بالشهادة. قال رسول اللَّه-صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» أبو داود. وتعدّ فكرة الموت بكرامة رغبة كل أنسان. فمن واجبنا أن نهيئ السبل الكفيلة بضمان حق الموت لكل انسان بكرامة. في ثقافتنا الإسلامية نسمع كثيرا عن الحياة بالكرامة، ولكن لا نسمع شيئا عن الموت بالكرامة. فحرصنا على الحياة تجعل كثيرا من مرضانا يعيش أسابيع عدة على جهاز التنفس الإصطناعي فاقدا للوعي، مع أن التوقعات الطبية لا تبشر بأي أمل، وفي كثير من الأحيان يصبح المريض عرضة لعمليات طبية غير هادفة، وللآلام الذي يَستعصي على كل المهدنات. كان الأولى اتباع نصائح الأطباء والمختصين بالعناية الملطفة، وليس العكس. يستدل بعض المسلمين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم  « مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ » البخاري، على أن الألم من لوازم الحياة، وإنما المقصود من حديث النبي صلى الله عليه وسلم هو مواساة المسلمين في معاناتهم، وليس هو عدم استعمال الأدوية لتخفيف الألآم. وفي موضوع الإستسلام لأمر الله تعالى، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ قَالَ:  مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ فَعَادُوهُ ، فَقَالُوا: أَلا نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ ؟ فَقَالَ: قَدْ رَآنِي الطَّبِيبُ ، قَالُوا : فَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : قَالَ : إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ« حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

إن الكرامة منحة إلهية للإنسان، أوجب عليه أن يحافظ عليها ويعززها في حياته وعند احتضاره. في حالة الإحتضار يجب أن نبشرالمحتضر برحمة الله تعالى وكرامته، وأن نذكره بالإستغفار، والإقبال على الله وحب لقائه. إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» البخاري. فالله عز وجل هو الذي يَهَبُ الحياة وحْده، وهو الذي يُميتُ، فإن حان اجل الإنسان لن يستطيع أحد من الناس أن يؤخره. يصعب علينا التعامل مع حالة الوفاة، حيث يشعر كثير منا بالإحباط وخيبة الأمل، ينتج عن ذلك انفجار عاطفي، وغضب على الطاقم الطبيبي. فمن أصيب بمصيبة الموت فعليه أن يصبر ويحتسب أمره إلى الله سبحانه وتعالى. كما يجب على الأطباء المختصين أن يساعد المحتضر لتخفيف آلآمه، ولا نترك المريض الميؤوس من علاجه يعاني من معانات الألم. يجب على المسلم أن يكون متوازنا في أحزانه وعواطفه، وأن يعلم أن الموت قرار إلاهي، والله حكيم في أفعاله وتصرفاته. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ‏.‏ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ـ رضى الله عنه ـ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ‏”‏ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ.‏ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» البخاري.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية