الزواج ضرورة خلقية واجتماعية

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

خلق الله الإنسان ليكون خليفته في الأرض، يقوم بعمارتها وعبادته سبحانه وتعالى فيها. يخبرنا تعالى عن هذه المهمة الإنسانية في كتابه بقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة: 30. وبقوله تعالى: ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( الذاريات: 56. اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون البشر من جنسي الذكر والأنثى، وأن لكل واحد منهما خصائص جسمية، وعقلية، ونفسية، واجتماعية، وأن الذكر والأنثى متكاملان، ومتعاونان ليحققان المقصد الذي وجدا من أجله، ولتحقيق هذا المقصد ركب الله تعالى في طبيعة كل جنس الميل للآخر، فلا يستغني الرجل عن المرأة، ولا المرأة عن الرجل. وهذا الميل فطري طبيعي. (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: 30. إن أساس العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة عاطفية، علاقة ينعم كل واحد منهما بلذة الأمومة والأبوة. لقد كان قبل الإسلام بعض العلاقات بين الرجل والمرأة علاقات لا تتناسب مع كرامتهما، ولا مع جبليتهما. فجاء الإسلام فأبطل جميع العلاقات الحميمية بين الذكر والأنثى المخلة بكرامتهما، والمنافية لفطرتهما، واقر علاقة الزواج القائمة على الخطبة والعقد الذي يحفظ حقوقهما وحقوق نسلهما. فلذلك العقد الذي لم يسجل في وثيقة رسمية لإقامة الدليل أمام القضاء باطل. الزواج بالفاتحة أو بحضور إمام لا يثبت لا للمرأة ولا للرجل الحصانة القضائية للمطالبة بحقوقهما الزوجية إذا توفي أحدهما أو حصل نزاع بينهما. كما أنه لا يثبت قانونيا النسب للأولاد من جهة الأب، وهم يحرمون أيضا من حقوقهم الإرثية. أعد القرآن الكريم كل علاقة حميمية خارج اطار الزواج الصحيح زنا، وأنها تعود على كليهما بأضرار نفسية وجسدية واجتماعية. قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء: 32. وجاء في الأثر عن ابن عباس قال: « إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا؛ فَإِنَّ فِيهِ سِتُّ خِصَالٌ: ثَلاثٌ فِي الدُّنْيَا وَثَلاثٌ فِي الآخِرَةِ، فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا، فَيُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَيُعَجِّلُ الْفَنَاءَ، وَيَقْطَعُ الرِّزْقَ، وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الآخِرَةِ: فَإِسْخَاطُ الرَّبِ، وَسُوءُ الْحِسَابِ، وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ» (كتاب المجالسة وجواهر العلم لأحمد بن مروان محمد الدينوري). لذلك يختلف حكم الزواج باختلاف عناصره، فمن الناحية الجزئي يختلف حكم الزواج باختلاف حالة الشخص، فتارة يكون واجبا، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون مباحا، وتارة يكون مكروها، وتارة يكون حراما، وأما من الناحية الكل يكون الزواج واجبا.

شبه الله سبحانه وتعالى العلاقة بين الذكر والأنثى في إطار الزواج باللباس. قال تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) البقرة: 187. تحمل كلمة (اللباس) معاني كثيرة، منها ما تدل على المودة والرحمة والعطف التي أرادهم الله تعالى للزوجين. ومنها ما تدل على الستر. في اطار الزواج يشبع الزوجان رغباتهما الحميمية بطريقة مشروعة تقرها الأخلاق، والمبادئ الإسلامية، ويستر الزوجان بعضهما البعض، ولا يكشفان أسرارهما لأحد، وخير الأزواج من ستر وغض الطرف عن زلات بعضهما البعض، فبها يشرف قدرهما، وتعلو منزلتهما، والستر صفة من صفات الله عز وجل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ » أبو داود. ومن شرار الأزواج من يسعى في كشف ونشر أسرار زوجته أو زوجها، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» مسلم. ومن معاني الزواج في حياتنا اليومية الحماية النفسية والصحية والخُلقيَّة، إن الزواج من السنن الإسلامية التي شرعها الله لمقاصد سامية، و غايات جليلة، وأنه وسيلة من وسائل العفاف والإحصان، كما أنه سبب لبقاء النوع البشري، في هذا السياق قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» البخاري. يبدأ الشاب بعد سن معينة من العزوبة يعاني بضغوط نفسية وخلقية مما يؤدي به إلى ظهور أعراض الكآبة، وإلى شكاوى جسدية متعددة، وفي كثير من الحالات يصعب على الطبيب تحديد العلاج المناسب. إن الزواج يزيد من استقرار الحياة، ويشجع على اتباع أنماط الحياة الصحية، وتجنب السلوكيات الضارة. ومن معاني الزواج في حياتنا اليومية الدفئ والرعاية الذي يجده كل من الزوجين عند الآخر. إن الحياة الزوجية هي الحضن الذي يستكين إليه كل من الزوجين، وهي تمنح النفس الهدوء والسكينة، والجسم العافية والمناعة، ولا أحدا يستطيع أن يسد هذا الجانب العاطفي عند الزوجين غيرهما.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

ومن معاني الزواج في حياتنا اليومية السكون، قال الإمام البغوي في معالم التنزيل: «لِبَاسٌ لَكُمْ» أي سكن لكم. وفي سياق آخر قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الروم: 21. الثابت في القرآن الكريم أن الزواج سكينة وطمأنينة وفيه تتم المودة والرحمة، والوقاية من التخيلات الغرامية التي ترهق العقل والجسد. تحتوي الحياة الزوجية على دعامتين أساسيتن: دعامة غريزية فطرية، وأخرى عاطفية وجدانية. فلا تستقيم حياة المرء بدونهما. إن الزواج أمر تقتضيه الفطرة الإنسانية والطباع السليمة وتحث عليه الشريعة الإسلامية. إن الزواج نواة للحياة الإجتماعية، ورعاية لمقصد من مقاصد الإسلام، وهو محافظة على النسل والجنس البشري. قال الله تعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) النحل: 72. ولقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد العزف عن الزواج من أجل التفرغ للعبادة، فكيف لمن يعزف عن الزواج من أجل دعوى إكمال الدراسة، أو البحث عن فتى أو فتاة الأحلام وغير ذلك من الأعذار التي يلتمسها بعض الشباب أو الشابات. «عن أَنَس بْنَ مَالِكٍ ـ رضى الله عنه ـ قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ‏.‏ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا‏.‏ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ‏.‏ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا‏.‏ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:‏ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي » مسلم. لقد أضحى الزواج في هذا العصر مشكلة إجتماعية، وذلك بسبب عقبات من العادات والظواهر التي تحول دون الزواج. ومن هذه العقبات مغالات في المهور والإسراف في تكاليف الزواج. فديننا الحنيف يرفض هذه القيود ويحث على تيسير عملية الزواج. ومن الظواهر التي تخيف بعض الشباب من الإقدام على الزواج هي كثرة الخلافات الزوجية، وتعود سبب هذه الخلافات في نظري إلى الأنانية المفرطة، وعدم مراعاة مشاعر ورغبات الطرف الآخر، فالحل للخلافات الزوجية هو مراعاة كل من الزوجين مشاعر ورغبات بعضهما البعض، فإن ذلك يمنح أسرنا الأمان النفسي، مما يؤدي بدوره إلى الحياة الزوجية السعيدة. وفي هذا السياق قال صلى الله عليه وسلم: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» مسلم.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية