التحرر من قبضة العبودية السيكولوجية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

أريد بهذه الكلمة أن نتغلغل في أعماق أنفسنا، ونتعرف عليها وعلى إمكانياتها التي تؤدي إلى النجاح أو إلى الفشل في الحياة. في هذا الصدد قسم بعضهم الناس إلى خمسة أنواع: الأول: ناس لا يعرفون ما يريدون في حياته؛ تجدهم كثير الشكوى، وأن سوء حظهم الإجتماعي هو سبب حالتهم السيئة. النوع الثاني: ناس يعرفون ما يريدون، لكنهم لا يقومون بأية خطوة إيجابية لتحسين وضعيتهم الإجتماعية. تجدهم دائم اللوم والنقد. النوع الثالث: ناس يعرفون ما يريدون وعندهم أهداف محددة، لكنهم غير واثقين بقدراتهم الذاتية. تجعل عدم الثقة بالنفس الإنسان يخاف من الفشل والسخرية، فيتقاعس عن أخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى. بذلك تسيطر أوهام السلبية على منطقه وفكره. النوع الرابع: ناس يعرفون ما يريدون، ولكنهم يتأثرون سلبا من العالم الخارجي. تتأثر الشخصية الضعيفة بسرعة بآرآء  الآخرين. للأ سف تسيطر السلبية على كلامهم، و تزيد ثقتهم بأنفسهم ضعفا. النوع الخامس: ناس يعرفون ما يريدون، ويسعون وراء أهدافهم بقوة حتى يحققوها. وصف النبي ﷺ  هذا النوع بقوله: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا‏.‏ وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ‏» مسلم. إن عدم وجود هدف نسعى من أجله في الحياة، يجعلنا لا نستغل إمكاناتنا وقدراتنا التي وهبها الله لنا. بسبب غياب الهدف النبيل والسعي من أجلها، يعيش الإنسان في ضياع وقلق مما تخفيها الأيام.

إن من الأهمية بمكان معرفة أن في باطن أنفسنا منطقة تؤثر في سلوكياتنا من غير شعور. إن الإطار الفكري والثقافي الذي ننظر من خلاله إلى الكون والحياة يلعب دورا مهما في نجاحنا أو فاشلنا في الحياة. منذ القديم والجدال بين العلماء حول نفسية الإنسان. تتضمن نفس الإنسان كثيرا من الرغبات المكبوت، والعواطف المشبوبة، والدوافع الدفينة. يلون كل إنسان الدنيا بما في نفسه من أفكار، ويتفاعل مع الأحداث حسب المعايير العرفية التي تلقاها من مجتمعه. ليست الأحداث التي تجري في حياتنا وحدها هي التي تشكلنا، بل هي قبل كل شيء القناعات والأفكار التي نحملها في عقولنا. «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» الحج: 46. إن الله وهبنا لنا عقلا قادرا على أن يصنع من الجحيم نعيما، ومن النعيم جحيما. يمتلك عقل الإنسان قوة نفاذة تخترق حُجُب الزمان والمكان، وقدرة تمكنه من التطور المستمر، برغم هذه القدرة الكبيرة، إلا أنّ كثيرا من الناس لا يستعملونها حق الإستعمال، فعلى كل من يريد النجاح في ظل الحياة العمل والإهتمام بأفكاره ومراجعة القناعات التي يحملها في عقله. قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» الرعد: 11. فالعقل هو مناط التكليف وشرط في تحمل المسؤولية المناطة به.

يمثل عقلنا بنكا للأفكار والتجارب والرغبات والعادات. يشتمل بنك عقل الإنسان كل تجاربه الإيجابية منها والسلبية منذ ولادته حتى لحظته الحالية. فمفتاح بنك عقل الشخص لا يملكه إلا هو، فرمز مفتاحه هي الإرادة والسعي للتحرر من أفكار تجعله يعيش حياة مؤلمة. قال الله تعالى: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الأعراف: 157. إن مهمة رسالة سيدنا محمد ﷺ هي تحرير الإنسان من أغلاله النفسية والإجتماعية. برسالة الإسلام حرر ﷺ  عقول الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم من أغلال الخرافة والوهم. وربط وجودهم ومصيرهم بالله تعالى. إن الإستسلام للتفكير السلبي يجعل الإنسان لا يرى الطرق المضيئة، بل يجعله يسلك الطرق المظلمة. يكمن سلاح المؤمن في اللجوء إلى الله تعالى والتحلي بالثقة في نفسه، والتفائل بالخير والنجاح. قال الله تعالى: «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» آل عمران: 159. وقال سيدنا محمد ﷺ: « يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» مسلم. إن عدم الثقة بالنفس نوع من العجز الذي لا يرتضيه الإسلام. إن النبي ﷺ كان يتعوذ من العجز، حيث كان ﷺ  يتوجه إلى الله تعالى بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» البخاري.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية