التحالف من أجل نصرة المظلومين

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

إذا ضاقت الدنيا بنا، وغمرت الآلام في نفوسنا، فلا نجزع ولا نسخط، فالبلاء سيزول بإذن الله. إن شدائد الحياة ليست اختبارا لقوة أجسادنا، وإنما هي اختبار لقوتنا الروحية، ومدى قدرتنا على التعامل مع ظروفنا. وهي أيضا امتحان إلى من تكون وجهتنا، أإلى الله أم إلى غيره. نقرأ في كتاب الله تعالى وصفا لواقع اجتماعي قد يحيط بكل واحد منا. يقول الله تعالى: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ال عمران: 173. يجد كل من يأخذ بالأسباب ويستعين بالله تعالى لكل ضيق فرجا، ولكل خسارة عوضا، ولكل ضعف حليفا. إن تراثنا مليئ بالمواقف النبيلة، والأحداث ذات البصمة الإنسانية التي تؤكد على ما سلف ذكره. نجد في المواقف التاريخية أبعادا روحية واجتماعية تحيي فينا القيم التي على أساسها يُمنع الظالم من التمادي في الظلم، ويُنصر المظلوم حتى يسترد حقوقه. في هذا السياق قال سيدنا محمد ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا‏‏.‏ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» البخاري. يشع تراثنا الإسلامي بنماذج كثيرة من التحالفات التي تُنصف المظلوم وتُحجز الظالم، وتعزز العدالة والسلم. قبل بعثة النبي ﷺ قدم تاجر من زبيد  اليمن إلى مكة، فاستولى أحد زعماء مكة المسمى بالعاص بن وائل على تجارته. اشتكى الزبيدي إلى زعماء مكة قضيته، فلم يعنه أحد لمكانة العاص بينهم. بعدما أن تقطعت بالزبيدي السبل لإسترداد ماله ولم يجد حيلة إلا أن يقف عند الكعبة وينشد:

يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَـــــــتُهُ         بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِي الدَّارِ وَالنَّـــــفَرِ

وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ         يَا لَلرِّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَـجَرِ

إِنَّ الْحَرَامَ لِمَنْ  تمَّت كَرَامَــتُهُ        وَلاَ حَرَامَ لِثَـوْبِ الفَاجِرِ الغُــــدَرِ  

هذه الكلمات التي خرجت من صميم أحاسيس المظلوم حركت مشاعر المروءة، والضمير الإنساني  في قبائل قريش، فاجتمع زعماؤها، وحضر النبي ﷺ ذلك الإجتماع، وكان عمره آنذاك حوالي عشرين عامًا، فتحالفوا ليكونوا يدا واحدة لنصرة كل مظلوم، وحجز كل ظالم عن التمادي في ظلمه. على إثر مظلمة الزبيدي تشكل حلف، وسمي بحلف الفضول. شكل حلف الفضول تجمعا إنسانيا، تنادت فيه مشاعر الإنسانية لتحقيق العدالة والسلم. كما وقف الحلف بجانب المظلوم ليأخذ حقه من الظالم، وقف أيضا بجانب الظالم لينتصر على نفسه. بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من ويلات، وتدمير لقيم الإنسانية، تأسست الأمم المتحدة. اتخذت السلام والكرامة والمساواة على كوكب ينعم بالصحة شعارا لها. وجعلت من أهدافها تأطير العلاقة بين الناس في عالم متعدد الأعراق والثقافات والدينانات. ياترى هل نجحت الأمم المتحدة في حماية حقوق المستضعفين والسلام والمساواة، أم أن شريعة الغاب وسياسة الكيل بمكيالين هي التي تسودها. عندما نتأمل في أحداث واقعنا المعاصر وفيما نقرؤه في مواثيق الأمم المتحدة يلح باستمرار في أذهاننا: هل تؤدي الأمم المتحدة دورها المنوط بها كما أدت قبائل قريش دورها في نصرة المظلوم وحجز الظالم؟ يا ترى هل تتحالف القوة السياسية والإعلامية في واقعنا المعاصر لنصرة الظالم أو لنصرة المظلوم؟ هل تثني الأجيال القادمة على الأمم المتحدة أم أنها سترشقها الأجيال بالأحذية؟ تعتبر تظاهرات التجمعات المدنية في محتلف بلاد العالم والتندين بالعدوان على المستضعفين نوع من أنواع حلف الفضول الذي يؤيده الإسلام. أخبرنا سيدنا محمد ﷺ أن الأمة التي لا ترحم المستضعفين تحرم نفسها من رحمة الله تعالى. « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ » الترمذي. بات العدوان الداخلي والجارجي من أبرز الإشكاليات الشائكة في واقع عالمنا المعاصر، وصوره متنوعة، ما بين السيطرة على الثروات، وإشعال نار الطائفية، والطعن في المقدسات. شغلت قضية العدوان مند أمد بعيد عقول المفكرين والفلاسفة، وما زال العقل الإنسان يَجِدّ في البحث عن كشف أسراره وضروب تجلياته في أعماق الإنسان. يعتبر السلوك العدواني أحد المظاهر المتشرة في المجتمعات الإنسانية. ومن الإسئلة التي تلح في كل ذهن مفكر هل يأتي يوم تعيش فيه البشرية في سلام؟ في كتاب الله عز وجل نجد الوصفة الدواء الآتية. يقول الله تعالى: « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ» ال عمران: 64.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية