الإنسان وتقلبات الزمان

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

يعيش الإنسان في رحلة الوجود مراحل متسلسلة،  تبدأ مرحلة حياة الإنسان الأولى بتكونه جنينا في رحم أمه، ينمو الجنين حتى يكتمل، ويصبح قادرا على العيش خارج رحم أمه. بعد عدد من التطورات المهمة في طبيعة المرحلة الجنينية، يترك الطفل رحم لأمه الذي عاش فيه لعدة أشهر في حالة توازن مثالي. في دفئ حضن الوالدين يتطور الرضيع اجتماعيا بصورة كبيرة. يبدأ الرضيع في مرحلة طفولته يتفاعل مع محيطه عاطفيا ونفسيا وعقليا. يؤثر المحيط الإجتماعي بشكل كبير على نشأة نفسية الطفل وتطور عقليته سلبيا أو إيجابيا. بعد مرور مرحلة الطفولة تأتي مرحلة الشباب فتبدأ تظهر علامات النضج وكمالية العقل التي تجعل الشاب أو الشابة ذو أهيلة لتحمل المسؤولية الأسرية والإجتماعية. يصور القرآن الكريم تطور نشأة الإنسان بصورة دقيقة وجمالية، يقول الله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» غافر: 67. يتغير طعم الحياة في رحلة وجود الإنسان مع متغيرات الزمن والمحيط. حيث يتوقف طعم الحياة على ما قدمه لنا محيطنا من عطف وحب وحنان في سن الطفولة، وما تعترض أعمارنا من حوادث الدهر. تتوالى الأيام، وتمر السِّنون، والإنسان يتصارع مع الزمن، ولا يبقى منه إلا ذكريات تظهر ابتسامة على وجه صاحبها، أو تذرف الدموع على خده أو خدها. فبشرى لمن كانت ذكرياته جميلة ومحمودة، ونتمنى لكل من تعاوده ذكريات المؤلمة والحزينة التخلص منها. إن الوقت سلاح ذو حدين إما نعمة وإما نقمة. إما أن يستغل الإنسان الوقت استغلالا حسنا، وإما أن يستغله استغلالا سيئا. يتميز الإنسان الناجح عن الإنسان الفاشل بحسب طريقة استغلاله للوقت. فمن استغل وقته في أشياء نافعة ومفيدة مثل الإنقياد لأمر الله تعالى واعبادته، والقراءة الدؤوبة للكتب المفيدة التي تساهم في تنمية المهارات الذاتية والمعرفية يما يمكنهم من المساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعه، لا شك أن الإنسان بهذه المواصفات يكون من الناجحين لأنفسهم ومجتمعهم، وأما من يهدر وقته في أشياء غير نافعة مثل الإنشغال طوال الوقت بالهاتف الذكي، والإستمتاع فقط بما طاب ولذ من شهوات الدنيا، فاعلم أن مصيره الفشل والضياع. في هذا السياق قال سيدنا محمد: « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» الترميذي. يدلنا سيدنا محمد  على اللبنة الأساسية في تكوين الإنسان الصالح والمجتمع المتكافل الذي تغشاه رحمة الله، وتظلله الفضيلة، وتربط أفراده الأخوة والوئام. هذا هو الإسلام الذي نؤمن به والذي نرتقي لأن يكون منهاج حياتنا. في الحديث الذي سلف ذكره قسم سيدنا محمد ﷺ الناس إلى صنفين: صنف عرف سر حياته، وغاية وجوده، فزود من دنياه لآخرته، فعبد ربه كما أمره، وعامل مخلوقات الله بالعدل والإحسان. والصنف الثاني فهم الحياة متعة ولهوا، فانشغل بشهواته، ونزوات غرائزه. يقول الله تعالى عن هذا الصنف مخاطبا النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ. إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ» القصص: 50. لا ينفك عمر الإنسان عن ظرف الزمان بحيث أنه ينحت من بنيان جسمه، وينقص من عمره يوما بيوم حتى ينقضي فجأة دون أن يشعر به. يصور القرآن الكريم بشكل مؤثر التحولات الفسيلوجية لجسم الإنسان. لا يفلت من هده التحولات الفسيلوجية أحد، ويشهد كل إنسان أنه في قبضة مدبرة حكيمة تتصرف بالوجود وتدبره. يقول الله تعالى: «ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ» الروم: 54. ينبهنا سيدنا محمد ﷺ في الحديث النبوي الشريف إلى ضرورة الإنتباه إلى مراحل تقلب الحياة التي نعيشها في رحلة وجوده. ويحثنا أن لا نترك الفرص المناسبة تفوتنا التي قد لا تعود مرة أخرى. قال عليه الصلاة والسلام: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ» الحاكم. يذكرنا سيدنا محمد بهذا الحديث بتقلب الزمان، وتغير الأحوال. فكم من إنسان كان ينعم في الحياة فأقعده المرض، أو ألم به حادث طارئ، فغير مسار حياته. فعلاقتنا بالزمان علاقة حتمية وجودية تسودها السكينة والإطمئنان تارة، والصراع والقلق تارة أخرى. لقد أحسن من قال:

لا تأمننَّ من الزمان تقَلُّبا     إنّ الزّمان بأهله يتقلَّبُ.

يمدح بعضنا الزمان الماضي ويعيب الحاضر منه، وكثيرا ما يحمل الزمان مشكلة الفشل في الحياة والإنحراف في الأخلاق. لكن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى دفع هذه التهمة عن الزمان، وألقى اللوم على الإنسان الذي لم يأخذ بالسنن الكونية التي من خلالها  يستطيع أن يحقق الطامح أهدافه. قال رضي الله عنه:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فــــــينا               وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِـــوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ               وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ               وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَـيانا

إن حياتنا الدنيوية محكومة بقوانين الزمان، حيث تظهر آثاره على أبداننا ونفوسنا. فكل جزء من مراحل حياتنا بدءًا من لحظة الميلاد حتى الموت محكومة بقوانين فسيلوجية و نفسية وأخلاقية. كثير منا لا يحس ببعد الزمان إلا من خلال حركة عقارب الساعة، وتعاقب الليل والنهار. لقد حاول الفلاسفة فهم ماهية بعد الزمن، لكن يبقى الزمن معجزة إلاهية، وآية من آياته سبحانه وتعالى العظيمة. يقول الله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا» الفرقان: 62. يستحسن أن نُكثر من دعاء سيدنا محمد : «اللهمَّ إنَّي أعوذُ بك من زوالِ نعمَتِك، و تَحَوُّلِ عافيَتِك، و فجْأةِ نقمتِك، و جميعِ سَخَطِك» مسلم

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية