الأمن والأمان في الإسلام

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

 إن من أهم مقومات الحياة والرقي هو الأمن النفسي والأسري والإجتماعي. إن الأمن بكل أنواعه ضرورة من ضروريات الحياة، وهو من  أعظم النعم التي منحها الله تعالى للبشر ليهنأ عيشهم في الأرض، ويستطيعوا عمارتها، ويقوموا بما أمرهم الله تعالى به. في قصة استخلاف أبينا آدم عليه السلام في الأرض، نجد مسألة أمن الإنسان على نفسه وأهله وماله من أساسيات الحياة. قال تعالى: «قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ»الأعراف: 24- 25. فإذا فقد الأمن فلا يطيب عيش، ولا تقام شعائر على وجهها الأتم. في ظل الأمن والسلام يؤدي كل مواطن واجبه تجاه ربه وطنه ومجتمعه، وفي ظل الأمن والسلام يعيش الناس في استقرار ورفاهية، لما هاجر سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مكة كان أول شيء سأله من الله تعالى الأمن لمكة وأهلها. قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ …» البقرة: 126. إن الأمن من أعظم نعم الله تعالى على عباده، ولا يحس بقيمة نعمته إلا من فقدها، فانظروا رحمكم الله تعالى إلى البلاد التي اختل فيها الأمن والسلام، فأبناؤها مرعَبون، مشردون، ومنهم ينتطر الموت في كل لحظة. ولفضل الأمن كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه صباحًا ومساءً العافية في دينه ودنياه ونفسه وأهلهه، ففي سنن أبي داود عن ابن عمر قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَاىَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي».

قال صلى الله عليه وسلم مبينا لأهمية الأمن: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» الترمذي. يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قوام حياة الإنسان: قوت يسد به جوعته، وماء يطفئ به ظمأه، وثوب يستر به عورته، وبيت يأوي إليه من الحر والقر، والسلامة من الأمراض النفسية والجسدية. إن السلام شعار الإسلام في الدنيا والآخرة، وأساس دعوته، ومقصد من مقاصده العامة. قال تعالى: «وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»  يونس: 25. لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة قال: «أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ» الترمذي. كلمات تضع ارضية للسلام، وتفوح بالحب والأمان، وتدعوا إلى التعايش بين الناس على اختلاف أعراقهم وعقائدهم، وتؤسس حضارة قائمة على التعدد والعدل بين بني الإنسان. لقد تكفل الإسلام بحماية حقوق  المسلمين وغير المسلمين في كل عصر من عصوره، وفي كل بلد من بلدانه. إن حقيقة المسلم هو الذي يأمن الناس من عنف لسانه ويده. قال عليه الصلاة والسلام: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» الترمذي. إننا نعيش في زمن ارتفعت فيه روح الأنانية والعدوانية، وإالإستعلاء في الأرض، فتارة باسم الدين، وتارة باسم حفظ السلام. لم تستطع الحضارة المعاصرة إشباع الإنسانية روح الرحمة والإحسان، والمسلمون ليسوا أحسن حالا من غيرهم، فقد داسوا قيم الإسلام، وحرمات الله تعالى بأقدامهم. فمنهم من أعطى الحق لنفسه لينوب عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جعل فهمه وقراءته لنصوص القرآن والحديث هو الإسلام، ويسيئ إلى كل من لا يجاريه في فهمه وقراءته. فتجد بعضهم يبدع، والآخر يضلل كل من لا يناسب هواه، ولا يستطيع أن يملك لسانه عن شتمهم وسبهم، ومنهم من أصبح سفاكا للدماء، هتاكا للحرمات. شتان بين من يبني فقهه وعلمه على قواعد أصولية فقهية وضعها السلف وبين من يبني فقهه على هوى وحقد في نفسه. المسلم هو الذي تظهر عليه مظاهر السلام والإحترام، فلا يرى الناس منه إلا خيرا، ولا يسمعون منه إلا طيبا. «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» البقرة: 83.

الخطبة الثانية:

 الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

 معشر الإخوة والأخوات:

 في ظل الأمن يتمكن كل انسان من توظيف ملكاته وقدراته للبناء والإبداع، وإن انعدام الأمن جعل كثيرا من بلدان العالم تعاني من الفقر والأمراض. وفي ظل الأمن يطمئن الناس في عبادتهم لله تعالى، قال تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ»قريش: 4. إن الإسلام الذي تلقيناه عن علمائنا بالتوارث، خلف عن سلف بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو دين السلام، سلام في تحيته، سلام في  اسم ربه، سلام في رسالته، وسلام فيما بينه وبين أصحاب الأديان الأخرى. قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أبو داود. يهدف الإسلام إلى تعزيز السلام على مبدأ العدل والحرية للجميع. حرم الإسلام الإعتداء عن حرمات الآخرين، قال تعالى: «وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» البقرة: 190.فالحياة الآمنة حق لكل إنسان، فلا يجوز المساس بها، وهو حق أبدي لا يتبدل ولا يتعطل مهما طال الزمن أو قصر، لقد كفل الله للإنسان حياة كريمة، وعيشا محفوظا مكرما أينما وجد، مكرما في الحياة والممات، في حالة الصحة والمرض، وفي الغنى والفقر، ومكرما في السعة والشدة، رجلا كان أو إمرأة. قال الله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» الإسراء: 70.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية