أهمية مقاصد القرآن الكريم

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

يتضمن القرآن الكريم مبادئ ومقاصد التي تحقق الصلاح للإنسانية في الحال والفلاح في المعاد. تمثل معرفة مقاصد القرآن الكريم المدخل السليم لفهم مدلولات آياته البينات، وكشف عن أسرارها وغاياتها. إن الحديث عن مقاصد القرآن الكريم يساعدنا على فهم القرآن الكريم فهما وسطيا مستنيرا، الذي يؤدي الى الثبات على الأصول، والمرونة في الفروع. يعتمد فهم دين الإسلام على تصور صحيح في التعامل مع القرآن الكريم. إن الناظر في آيات الكتاب الكريم يجد جملة من المقاصد العامة: إذا استقرينا آيات القرآن الكريم استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها أن من مقاصدها هو حفظ أمن المجتمع، واستدامة صلاحه بصلاح الفرد. إن الاهتمام بمقاصد القرآن الكريم، توضيحا وبيانا، أمراً ضروريا لفهم الإسلام نفسه ومعرفة حقيقته، وتبليغ رسالته للناس تبليغا يوافق مقصود الشارع ويحقق مراده من رسالته التي أنزلها رحمة للعالمين. إن من مقاصد القرآن الكريم ترسيخ أصول الإعتقاد وهي الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. تتضمن هذه الأصول أن الله تعالى هو وحده المستحق للعبادة دون سواه من الخلق، والعمل بكل ما أوجبه الله من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. قال الله تعالى: «ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» الأنعام: 102. ومن مقاصد القرآن الكريم بناء القيم الأخلاقية، تعد القيم الأخلاقية من الركائز الرئيسية في بناء الفرد والمجتمع، فهي تضبط الإنسان وتوجه سلوكه إلى محاسن الأعمال، وتضمن التعايش في أمن وتكافل وتعاون. قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» النحل: 90. ومن مقاصد القرآن الكريم التعارف والتعاون الإنساني، يظهر جليا عند دراسة مقاصد القرآن أن طبيعة العلاقة بين الناس مبنية على أساس التعارف والتعاون، واحترام الخصوصيات الدينية والمذهبية والثقافية. قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» الحجرات: 13. ومن مقاصد القرآن الكريم التغذية الروحية، نحتاج في الحياة المليئة بالضغوطات والصراعات النفسية والإجتماعية إلى مورد نغذي به أرواحنا المرهقة بالآلام والأحزان. ليس هناك أفضل من القرآن الكريم نغذي به أرواحنا، بذلك يتم تعزيز مشاعرنا الإيجابية، فنحس  براحة البال، وتصبح حياتنا ذات معنى. قال الله تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا 41 وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 42 هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا 43 تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا 44 » الأحزاب. ومن مقاصد القرآن الكريم رعاية الكرامة الإنسانية، لقد أكد القرآن الكريم على الكرامة الإنسانية، حيث اعتبر الله تعالى الإنسان خليفته في الأرض، وأنه حامل أمانته. شملت الكرامة الإنسانية جميع البشر نساء ورجالا، كبيرا وصغيرا دون تحيز أو تميز. إن من مظاهر تقدم وتطور المجتمع هو تعزيز احترام الإنسان، وحفظ كرامته. إن القرآن الكريم لا يقر مبدأ التمييز بين الأجناس أوالطبقات، ولا يقر التفرقة بين أبيض وأسود، ولا بين فقير وغني، ولا بين محظوظ ومنبوذ. قال الله تعالى: « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» الإسراء: 70. ومقاصد القرآن الكريم استقرار الأسرة، حيث أن الاستقرار الأسري هو الذي يمنح أفراد الأسرة الأمان، ويشعرهم بالطمأنينة، ويحمي الأبناء من الانحراف والتشرد. قال الله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»الروم: 21. ومن مقاصد القرآن الكريم العدالة الإجتماعية. أنزل الله القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليوطد دعائم العلاقات الإجتماعية القائمة على العدل والمساواة بين الناس دون النظر إلى الجنس أو العرق أو أحواله الإجتماعية. قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» النساء: 58 . ومن مقاصد القرآن الكريم حماية المستجير اللاجئ. يأمر الله عز وجل المسلمين بحماية المستجرين المضطهدين، وتقديم لهم الدعم المادي والمعنوي. قال الله تعالى: «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ» التوبة: 6. تشكل مقاصد القرآن الكريم مصدرا مهما في بناء العقل المسلم. فالعقل المسلم يعاني اليوم من غياب القدرة على التجديد، ومعايشة المستجدات الإجتماعية. تكشف مقاصد القرآن الكريم لنا معالم الإسلام، وترشدنا إلى روح معانيه.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية