أزمة المبادئ والقيم

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين» 

تعد انتهاكات ضد الإنسانية ظاهرة إجتماعية قديمة قدم الإنسانية ذاتها، لكن تطورت طريقة إرتكابها بتطور التكنولوجيا وتقدمها، إذ يشهد العالم أنماطا جديدة من الإنتهاكات،  كالإنتهاكات المنظمة، وتعتبر هذه الظاهرة من أخطر الظواهر التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية، حيث تؤدي إلى مشاهد مأساوية وأوضاع كارثية. كانت الحروب التقليدية تعتمد على تكتيك الحرب بين الجيشين، فيما تحولت الحرب في زمن التكنلوجية إلى حرب الجبناء التي يُستقوى فيها على المدنيين بقصف أحيائهم السكنية بالصواريخ المتفجرة لتفريغ نيران الحقد من دون وازع من ضمير أو إنسانية. تأخذ الأيديولوجيات والمعتقدات المتطرفة مكانًا مركزيًا في عوامل حدوث المآسي الإنسانية. عندما تتجذر معتقدات التطهير العرقي أو الديني أو السياسي بعمق داخل طائفة معينة، تخلق هذه المعتقدات بيئة ملائمة لإنتهاكات منظمة ضد الإنسانية. تعد المعتقدات المبنية على الأساطير أساس تبرير جميع أنواع العنف، ويضرب بالقيم الأخلاقية عرض الحائط، ويدس القانون الدولي بالأقدام. هذه الأساطير تجعل المقتنعين بها الإشتراك في اضطهاد وإفناء المخالفين لهم في العرق أو الدين أمرا واجبا. تواجه المجتمع الدولي مشكلات لمنع فعاليات الإبادة الجماعية: منها مشكلة الإعتراف بأن هناك إبادة جماعية قائمة بالفعل. في هذا الإطار تلعب المصالح السياسية والإقتصادية دورا فعالا. تؤثر المصالح الجيوسياسية والإقتصادية في تأخير وقف  الاقدام على إرتكاب الجرائم ضد الإنسانية. أين موقع كل إنسان يؤمن بقيم العدل والمساواة والكرامة الإنسانية، مما يحدث من المجازر الإنسانية، والفظائع الوحشية ؟ إن تقديم الدعم المادي والمعنوي للمحتاجين والمستضعفين واجب أخلاقي وإنساني وديني. قال سيدنا محمد ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ» الطبراني. تهدف رسالة الإسلام إلى تعزيز العدالة الإجتماعية، وإدانة جميع أنواع الظلم. قال سيدنا محمد ﷺ: «لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ» ابن ماجه. إن مشكلة الإنسانية هي في الدرجة الأولى مشكلة المبادئ والقيم، حيث أصبح في هذا الزمان بيع القيم والمبادئ تجارة رابحة. حينما تضيع القيم والمبادئ، ويسود النفاق والكذب فلا غرابة أن يطغى الشر وتنتهك الحرمات. مشاهد تحزن القلوب، وتقشعر منها الأبدان تكشف مدى أزمة العدالة في مجتمعاتنا الأسرية خصوصا والإنسانية عموما. إن الحل ليس عصيا على تحقيقه إذا وجدت الإرادة الصادقة والإخلاص لتجاوز محاولات الخداع. إن التأصيل القرآني للعدالة الإجتماعية والدعوة لفعل كل مكرمة، ونبذ كل مَذّمّة أمر في غاية الوضوح. يقول الله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » النحل: 90. إن مجتمع الإنساني بحاجة إلى أن أن يعيد النظر في مبادئه وقيمه الإجتماعية ويفكر في كيفية تربية الأجيال القادمة على مبادئ وقيم العدالة والأخوة الإنسانية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد نظم أحمد شوقي القصيدة التالية عن المبادئ والقيم:

إِنما الأممُ الأخــلاقُ ما بقـــيَتْ         فإِن همُ ذَهَبَتْ أخلاقهُم ذَهَبوا.

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه        فقوم النفس بالأخلاق تستـــقم.

إذا أصيب القوم في أخلاقـهم        فأقم عليهم مأتـما وعــــــــويلا.

تؤكد آيات القرآن الكريم وأحاديث النبوية على أهمية تنشئة الأجيال على روح العدالة واحترام حقوق الآخرين. إنه من الأهمية بمكان أن نفكر في ما هي وضعية نفسية من يقتل الناس ويعذبهم في السجو ن بدون شفقة ولا رحمة؟ تعتبر الأسرة والمجتمع اللبنة الأولى والمدرسة الأساسية التي يغذي منها الفرد نفسيته، ويتبنى منها أفكاره. تخلق بذرات التنشئة لدى الفرد استعدادا نفسيا وذهنيا للإنضمام إلى التنظيمات الخيرية او إلى التنظيمات الشريرة. إن الخلفية النفسية والفكرية لها أهمية كبرى في تحديد أنماط سلوك الإنسان وتفاعله مع الآخرين. هذه الرؤية تشير إلى أن لكل إنسان دور مهم في تهيئة ظروف تحقيق السلام العادل في عالمنا المعاصر. إن تعزيز السلام مجتمعيا ودوليا مسألة سياسية بطبيعتها، لذا يعتمد تحقيق السلام العادل على المشاركة الفعالة والمُستدامة للمواطنين الأحرار. يعلمنا القرآن الكريم أن الإسلام دين السلام، دين يعزز الفضائل الإجتماعية، والكرامة الإنسانية، وأن السلام نواة نظامه الإجتماعي. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ » البقرة: 208.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية