أبعاد التسامح في معاهدة صلح الحديبية

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله،«واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

 إننا في هذا العصر في أشد الحاجة إلى دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة في أيامنا هذه التي تكاثرت فيها الفتن، وتكالبت فيها المحن، واليوم نقف مع حادثة صلح الحديبية، ومع أثرها البالغ في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، حملت حادثة الحديبية معها بشائر الفتح، ونسائم التمكين، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه اعتمر إلى بيت الله الحرام مع جمع غفير من أصحابه، وساق معه الهدي معظما لبيت الله الحرام. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما رأى، ففرحوا بذلك فرحا عظيما. وخاصة المهاجرون كانوا أشد حنينا إلى مكة، بهذا الحدث تدخل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في عهد جديد، ومرحلة مهمة. في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء العمرة، ودعا أصحابه بالرحيل إلى مكة، فرح المسلمون، واشتد بهم الحنين إلى موطن طفولتهم، فجهزوا أنفسهم لزيارة بيت الله الحرام، فخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ألف وأربع مئة من الصحابة، فلما وصلوا ذي الحليفة، لبسوا لباس الإحرام، ولبوا بالعمرة، ليؤكدوا لكفار قريش قصدهم النبيل، بأنهم جاءوا معتمرين، ولم يأتوا محاربين. وصلت الأخبار إلى مكة بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم. فجهزت قريش كتيبة بقيادة خالد بن الوليد لصد المسلمين عن دخول مكة، فسلك النبي صلى الله عليه وسلم طريقا غير الطريق المعهود، كي يتجنب مواجهة جيش المشركين. فلما وصل المسلمون إلى الحديبية: مكان قريب من مكة برَكت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، ورفضت القيام للمسير، فقال بعض الصحابة خلأت القصواء، أي امتنعت عن المسير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»البخاري. فأين أولئك الذين يسفكون الدماء، ويستحلون الحرمات، ويفتنون الآمنين من هذه السنة النبوية الشريفة؟

دعا النبي صلى الله عليه وسلم قريش إلى الصلح والسلام، وحفظ الدماء والأعراض، فلما حط المسلمون رحالهم في الحديبية، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش، وقال له أخبرهم: «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ» البخاري. كان صلى الله عليه وسلم يسعى لعرض الدعوة الإسلامية في جو من الحرية والسلام، وكان حكيما في أسلوب دعوته، يختار الكلمات التي تتسلل إلى القلوب، وتنشرح لها الصدور. احتبست قريش عثمان رضي الله عنه، وشاع أنه قد قتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين حينئذ إلى البيعة التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الفتح:18.لما بلغ قريش أمر بيعة المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم، أدركوا جدية النبي صلى الله عليه وسلم في دخول مكة، حينئذ أرسلوا إليه الداهية المحنك سهيل بن عمروا مفاوضلا، وأطلقوا سراح عثمان رضي الله عنه. أسفرت المفاوضات بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم عن اتفاق صلح، فقال سهيل بن عمروا: « هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْكَاتِبَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم» البخاري. اعترض المفاوض المشرك قائلا: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن أكتب باسمك اللهم، فاحتج المسلمون فقالوا: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم موقفا متسامحا وحريصا على نجاح عملية السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: «أكتب بسمك اللهم. ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ‏‏.‏ فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ‏.‏ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ‏‏ وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي‏. اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» البخاري. احتج المسلمون مرة أخرى على تنازلات النبي صلى الله عليه وسلم، وتساهله في قبول ما يفرضه الآخر، ولكن رسول الله بحكمته وبُعد نظره، أمر الكاتب عليا بأن يشْطُب كلمة رسول الله من الوثيقة، فقال علي: «لا واللهِ لا أمحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني مكانها، فأراه مكانها، فمحاها» البخاري.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

اشتملت معاهدة صلح الحديبية على هدنة لمدة عشر سنوات، ويؤجل المسلمون دخول مكة لأداء العمرة إلى السنة القادمة، ومن دخل في الإسلام من قريش، يرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله، وألا ترد قريش من يأتيها مرتدا عن الإسلام، ومن أراد من غير قريش أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد دخل فيه. كان صلى الله عليه وسلم حريصا كل الحرص على الصلح، وكان مقتنعا أن الصلح لا يأتي إلا بخير. أصل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعاهدة قاعدة لفقه المآلات، مستلهما ذلك من خلال قوله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ النساء: 128. وأن الجُنوح للسلم، وابتغاء السلام هي من الغايات الكبرى التي أرسل الله النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها، قال الله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الأنفال: 61. في فقه المآلات ينظر الفقيه في استنباط الحكم العملي إلى عواقبه وثماره. بدت معاهدة صلح الحديبية في نظر الصحابة ذلا ومهانة، تفتقد العدالة والمساواة. شكك المنافقون في صدق رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الفتح: 27. سلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل للمشركين مراعة لمعاهدة الصلح، تأثر الصحابة بحال أبي جندل، فأتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا، قَال:‏ بَلَى‏‏.‏ ثم قُال عمر: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ. قَالَ:‏ بَلَى‏‏.‏ ثم قال عمر: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا» البخاري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر مشيرا الى وظيفته، وأن ما فعله لم يفعله على هوى:‏«إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهْوَ نَاصِرِي» البخاري. بعد أن تم كتابة معاهدة الصلح مع المشركين، واجهت النبي صلى الله عليه وسلم مشكلة أخرى، وهي تقاعس الصحابة عن تنفيذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يتحللوا من العمرة، وأن يشدوا الرحال إلى المدينة. شاء الله أن يكون للمرأة دورا فعالا في حل هذه الأزمة، فقالت أم سلمة رضي الله عنها:«يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ‏.‏ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ‏.‏ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا» البخاري.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية