آثار الإيمان باليوم الآخر

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونور له طريق الهداية، وأمن له الاطمئنان النفسي، وضمن له الإستقرار في ذاته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيّته، وإيمانا برحمته سبحانه وتعالى، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمداً رسول الله، سيّد الخلق ورحمة الله المهداة للعالمين. اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على هذا النبي وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

إن أول منازل الآخرة هي مفارقة الحياة الدنيا، أي الموت الذي كتبه الله تعالى على جميع مخلوقاته. يؤكد الله سبحانه وتعالى على هذه الحقيقة المطلقة في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِالعنكبوت:57. وفي قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الرحمن:27. ولأهمية الحياة بعد الموت حث النبي صلى الله وسلم المسلمين أن لا ينسوها، وأن يتذكروها دائما. فقال صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ» البخاري. فتذكر الموت والتأمل في الآخرة تؤثر في تعامل الإنسان وتصرفاته. بذلك تهون عليه مصائب الدنيا ومشاكلها، ويسهل عليه التعامل مع أحزانها. إن الإيمان باليوم الآخر تعطي الإنسان الطمأنينة والسكينة في الحياة، وتخرجه من ضيق متاعب الدنيا. ولقد أحسن ربعي بن عامر رضي الله عنه حين قال لرستم قائد جيش الفرس: « إن الله ابتعثنا لنحرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيقِ الدنيا إلى سعةِ الدنيا والآخرة». فالإيمان باليوم بالآخر يجعل الإنسان ينظر إلى أحزان الدنيا نظرة تفاؤل وخير، حيث ينظر ويتفكر في ما أعده الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات من النعيم في الجنة. فلا يضيق صدره بالأحزان ولا يصيبه اكتئاب، ويتذكر دائما قول الله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ التوبة: 51. و قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ » مسلم. الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بكل ما جاء في القرآن الكريم وثبت ثبوتا صحيحا في سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يكون بعد الموت. قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ الأعراف: 8-9.

إن الإيمان باليوم الآخر من أهم أصول العقيدة الإسلامية، وهي من أعظم الأمور التي من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب. فالإيمان باليوم الآخر ليست كلمة نقولها باللسان فحسب، بل لابد من تصديق جوارحنا ذلك بالعمل، فيظهر آثار ذلك الإيمان في سلوك الإنسان في نفسه وفي اسرته، وفي علاقاته الإجتماعية. إن أعظم قضية يجب أن لا ينساها الإنسان، ويجب أن ينشغل بها وهي وجوده في هذه الحياة الدنيا، وما هو مصيره بعد موته. قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ الزمر: 68-70. إن الإيمان باليوم الإخر يُقَوم نوازع النفس،ويكبح شهواتها، ويرشدها حتى لا تركن إلى الحياة الدنيا، وأن لا تجعلها الغاية من وجودها وعيشها. إن للإيمان باليوم الآخر أثرا عظيما في حياة الناس سواء على المستوى الفرد أو الجماعة، ويظهر هذا الأثر في حياتهم الفكرية والنفسية والخلقية، فمن الناحية الفكرية يتحرر الإنسان من الإعتقاد في الخرفات والأوهام، ويأخذ بيده إلى العلم والنور، ويسمو به عن العصبية القبلية، أو الإجتماعية إلى الأخوة  الإنسانية. وأما من الناحية النفسية يجعل الإيمان باليوم الآخرة نفس الإنسان مطمئنة، ومستسلمة لقضاء الله وقدره، وتحتسب كل ما يصيبها من المصائب أجرا مدخرا عند الله تعالى لليوم الآخر، فهذا يجعل الإنسان يقابل المصائب بالرضا والرجاء لا بالخوف واليأس. إن القرآن الكريم يربط عوامل القلق واليأس بقوة العقيدة وحقيقة الإيمان، وبذلك تهون المصائب، وتهدأ النفس. يلمس القارئ لكتاب الله تعالى سرا عجيبا، وعلاجا مريحا، يزيل عن النفس كابوس القلق والإضطراب، ويطمئن القلب، وينشرح الصدر .

 بارك الله لي ولكم في القران العظيم …ونفعني وإياكم بما فيه من الايات والذكر الحكيم …أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

وأما أثر الإيمان باليوم الآخر في الناحية الأخلاقية: إن الإيمان باليوم الآخر يجعل الإنسان دائما يشعر بمراقبة الله تعالى له في الخلوة والجلوة،  فينمو لديه الوازع الذاتي، فيُقبل على ما يرضي الله تعالى من العبادة، و الأخلاق الفاضلة، والقيم الإنسانية، ويبتعد عما لا يحبه الله تعالى، ولا يرضاه من الشرك، والإبتداع في الدين، والأخلاق الذميمة، والقيم اللا إنسانية. إن التأمل في اليوم الآخر آثار وثمار طيبة في سلوك الإنسان. أولا: الرغبة والحرص على فعل الطاعات، رجاء وطمعا في الثواب والأجر من الله تعالى. قال الله تعالى:  مَن جَاء بـِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بـِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ الأنعام : 160. فيُقبل المؤمن على العبادة لله تعالى، وتنفجر في نفسه ينابيع الخير فيبر الولد والديه، ويحن الزوج على زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، ويعدل الحاكم بين رعيته، ويمتنع المؤمن عن الغش والخداع، وينفق الموسر على المعسر، فتسود المحبة في المجتمع، ويعمه السلام والأمن. ثانيا: من ثمار الإيمان باليوم الآخر الرهبة من فعل المعصية خوفا من سوء المصير بعد الموت، فيجتنب بذلك عبادة الأوثان، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل ما حرم الله تعالى من الطعام والشراب، ويجتنب أيضا الظلم بشتى صوره، فلا يعتدي على دماء الناس، ولا أعراضهم، ولا أموالهم. كما أن الإيمان باليوم الآخر يُردع الإنسان من اتيان الفواحش. فالمؤمن يضع بين نصب عينيه دائما قول الله تعالى: وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ الأنبياء:47.  ثالثا: من ثمار الإيمان باليوم الآخر تسلية المؤمن عما يصيبه من مصائب وابتلائات في الحياة الدنيا. تتطلع نفسه إلى ما أعده الله لها من النعيم في الجنة، فتنسى بذلك كل ألم أصابها في هذه الدنيا. في الحديث الطويل الذي رواه البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن المؤمن وهو في قبره: «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَان،ِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَه:ُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّه،ُ فَيَقُولَانِ لَه:ُ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَه:ُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟ْ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،َ فَيَقُولَانِ لَه:ُ وَمَا عِلْمُك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَد،ُ فَيَقُولُ لَه:ُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي» أحمد.

المراجع:

صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري.                                                             صحيح الإمام مسلم،  للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم.                                                                               المسند للإمام أحمد بن محمد بن حنبل.                                                                                                                                                                                                                     أثر الإيمان باليوم الآخر، مقال للشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود

اليوم الآخر، خطبة الجمعة للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.

مقالات ذات صله

تريد البقاء على اطلاع حول أحدث مقالاتي؟

اشترك هنا في النشرة الإخبارية الشهرية