معاني القدر في قصة موسى مع العبد الصالح عليهما السلام

الإنسان بين الجوهر والمظهر

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»  

يمثل القدر أحد القضايا الغيبية في العقيدة الإسلامية، وهو يفسر الأسرار الربانية الكونية، مما يجعل المتأمل في الأحداث يلتمس أبعادا غير ظاهرة للعيان لما يقع في حياة الناس من الأمراض والمصائب. يسعى الإنسان للتساؤل، ومحاولة الإطلاع على سبب إصابة الإنسان بمرض أو فقر أو هلاك. معرفة الأسباب هي من خصائص عالم الغيب الذي اختص الله بعلمه، إلا من اصطفى سبحانه وتعالى من عباده لحكمة قضاها. لما كانت قضية القدر عظيمة في حياة الإنسان، لم يترك الله العباد ضلالا جهالا، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب ليدلهم على منارات الهدى، وإن مفهوم الشر والخير لدى الإنسان نسبي، ومفهوم قاصر حيث أنه لا يرى الصورة كاملة، فما يبدو أنه شر، قد يتضح فيما بعد أنه خير، وما يبدوا أنه خير، قد يظهر فيما بعد أنه شر. «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» البقرة: 216. يتعلق القدر بعلم ليس كعلمنا القائم على التجربة، وليس كعلم الأنبياء القائم على الوحي. القدر صمت مبهم، لا يتحدث بلغتنا، ولا يتصرف بتصرفاتنا، بل إن وقائعه تثير الدهشة والقلق لدى الإنسان. برغم ما توصل إليه الإنسان من معرفة أسرار الكون وسننه، فإنه يجد نفسه أمام  تصرفات القدر في حيرة عميقة. نقرأ في القرآن الكريم قصصا تغذينا روحانيا، وتعلمنا كيف نستقرأ الأحداث التي تطرأ علينا. من هذه القصص، قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح عليهما السلام. يمثل سيدنا موسى في هذه القصة الإنسان الذي تدور في ذهنه أسئلة حول الوجود، والعبد الصالح يمثل القدر الذي يحكم الإنسان. فالقصة عبارة عن حوار بين أحوال الناس وأقدارهم. وصف الله عز وجل هذا القدر المتكلم بأنه قدر رحيم وعليم. لذلك سأله سيدنا موسى: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا». يرد عليه وهو يحاول أن يكشف له عن حقيقة أحوال الحياة: «إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا». أقدار الله فوق إدراك عقل الإنسان المحدود، يعجز الإنسان عن فهم التناقضات التي يراها. أحب سيدنا موسى عليه السلام أن يتعلم من علم العبد الصالح، فيؤكد طلبه مرة أخرى بقوله: «سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا». لن يستطع الإنسان أن يلتزم بالصبر، ولن يستطيع إدراك خفايا مظاهر متناقضات الحياة. لذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر من هذا الدعاء: « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» مسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

لكي يدخل على سيدنا موسى عليه السلام مدرسة العبد الصالح اشترط عليه الشرط الآتي: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا».  وافق سيدنا موسى عليه السلام، ولكن سرعان ما يتعرض للإمتحان. «فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ ». يخرق القدر السفينة، فتعطلت بذلك مصالح الصيادين، وكادوا أن يغرقوا في البحر، فكان لزاما على سيدنا موسى عليه السلام الإعتراض عن هذا الفعل الذي يبدوا في ظاهره أنه شر، فقال: «أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا». وهكذا يفعل كثير منا إذا أصيب بمصيبة. يُذكر القدر الإنسان بضعفه، وقلة صبره، وعدم قدرته على التحمل: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». يعتذر سيدنا موسى على اعتراضه موصفا بذلك سلوك الإنسان مع أقدار الله عز وجل: «قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا».  حاول سيدنا موسى أن ينسب قلة صبره إلى النسيان، فلا لوم على الناسي، ولا مؤاخذة عليه. ثم تأخذ القصة مجرى آخر يفاجئ موسى عليه السلام ويدهشه. يقضي القدر بموت الولد فجأة ويفجع الوالدين بفقد فلذة كبدهما. يغضب سيدنا موسى، وينكر بشدة هذا الفعل، ممثلا بذلك حالة الإنسان الحزين بفقد أحد أحبته. «قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا». يعبر سيدنا موسى عليه السلام عن حيرة الإنسان تجاه مصيبة الموت، الذي يباغته بدون مقدمات، والذي لا يميز بين الغني والفقير، ولا بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الصغير والكبير. إن حقيقة مشكلة الإنسان هي محاولته تجاهل الموت، ورفض وجوده في الأصل. تكشف هذه القصة قصور الإنسان عن فهم حقيقة الأقدار بقوله: « أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». يعتذر الإنسان مرة بعد مرة، ويتوب كل مرة عما يصدر منه من سلوك عدم الرضا تجاه قدره المحتوم، فيقول: «إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا». يصف سيدنا موسى حالة عجز عقل الإنسان عن فهم التفاصيل الخفية وراء الأحداث التي تحمل من ورائها الخير أو الشر، والنعم أو المصائب. يجدد الإنسان العهد مرة بعد مرة، ولكن سرعان ما يصيبه حدث مؤلم ينسى العهد الذي وعد به مرة أخرى. اندهش سيدنا موسى عليه السلام من فعل معلمه، حينما رآه يقضى ليله في بناء جدار أهل القرية الذين أبوا ضيافتهم، فيعترض عليه هذه المرة إعتراضا خفيفا، وهو يدرك أنه يخالف المتفق عليه، لكنه لم يستطع تحمل ما يراه، لذلك قال على استحياء: لو أنك طلبت منهم مقابلا من أجل عملك هذا. « قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا». تحمل هذه القصة معاني روحية عميقة، حيث تبيننا كيف تخفي المصائب جوهر الرحمة، وكيف ترتدي النعم ثياب الأحداث المؤلمة. فاستعن بلطف الله الخفي لتتحمل أقدارك التي لا تدرك مراميها، واسترشد بنصيحة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» مسلم.

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»  

يمثل القدر أحد القضايا الغيبية في العقيدة الإسلامية، وهو يفسر الأسرار الربانية الكونية، مما يجعل المتأمل في الأحداث يلتمس أبعادا غير ظاهرة للعيان لما يقع في حياة الناس من الأمراض والمصائب. يسعى الإنسان للتساؤل، ومحاولة الإطلاع على سبب إصابة الإنسان بمرض أو فقر أو هلاك. معرفة الأسباب هي من خصائص عالم الغيب الذي اختص الله بعلمه، إلا من اصطفى سبحانه وتعالى من عباده لحكمة قضاها. لما كانت قضية القدر عظيمة في حياة الإنسان، لم يترك الله العباد ضلالا جهالا، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب ليدلهم على منارات الهدى، وإن مفهوم الشر والخير لدى الإنسان نسبي، ومفهوم قاصر حيث أنه لا يرى الصورة كاملة، فما يبدو أنه شر، قد يتضح فيما بعد أنه خير، وما يبدوا أنه خير، قد يظهر فيما بعد أنه شر. «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» البقرة: 216. يتعلق القدر بعلم ليس كعلمنا القائم على التجربة، وليس كعلم الأنبياء القائم على الوحي. القدر صمت مبهم، لا يتحدث بلغتنا، ولا يتصرف بتصرفاتنا، بل إن وقائعه تثير الدهشة والقلق لدى الإنسان. برغم ما توصل إليه الإنسان من معرفة أسرار الكون وسننه، فإنه يجد نفسه أمام  تصرفات القدر في حيرة عميقة. نقرأ في القرآن الكريم قصصا تغذينا روحانيا، وتعلمنا كيف نستقرأ الأحداث التي تطرأ علينا. من هذه القصص، قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح عليهما السلام. يمثل سيدنا موسى في هذه القصة الإنسان الذي تدور في ذهنه أسئلة حول الوجود، والعبد الصالح يمثل القدر الذي يحكم الإنسان. فالقصة عبارة عن حوار بين أحوال الناس وأقدارهم. وصف الله عز وجل هذا القدر المتكلم بأنه قدر رحيم وعليم. لذلك سأله سيدنا موسى: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا». يرد عليه وهو يحاول أن يكشف له عن حقيقة أحوال الحياة: «إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا». أقدار الله فوق إدراك عقل الإنسان المحدود، يعجز الإنسان عن فهم التناقضات التي يراها. أحب سيدنا موسى عليه السلام أن يتعلم من علم العبد الصالح، فيؤكد طلبه مرة أخرى بقوله: «سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا». لن يستطع الإنسان أن يلتزم بالصبر، ولن يستطيع إدراك خفايا مظاهر متناقضات الحياة. لذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر من هذا الدعاء: « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» مسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

لكي يدخل على سيدنا موسى عليه السلام مدرسة العبد الصالح اشترط عليه الشرط الآتي: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا».  وافق سيدنا موسى عليه السلام، ولكن سرعان ما يتعرض للإمتحان. «فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ ». يخرق القدر السفينة، فتعطلت بذلك مصالح الصيادين، وكادوا أن يغرقوا في البحر، فكان لزاما على سيدنا موسى عليه السلام الإعتراض عن هذا الفعل الذي يبدوا في ظاهره أنه شر، فقال: «أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا». وهكذا يفعل كثير منا إذا أصيب بمصيبة. يُذكر القدر الإنسان بضعفه، وقلة صبره، وعدم قدرته على التحمل: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». يعتذر سيدنا موسى على اعتراضه موصفا بذلك سلوك الإنسان مع أقدار الله عز وجل: «قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا».  حاول سيدنا موسى أن ينسب قلة صبره إلى النسيان، فلا لوم على الناسي، ولا مؤاخذة عليه. ثم تأخذ القصة مجرى آخر يفاجئ موسى عليه السلام ويدهشه. يقضي القدر بموت الولد فجأة ويفجع الوالدين بفقد فلذة كبدهما. يغضب سيدنا موسى، وينكر بشدة هذا الفعل، ممثلا بذلك حالة الإنسان الحزين بفقد أحد أحبته. «قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا». يعبر سيدنا موسى عليه السلام عن حيرة الإنسان تجاه مصيبة الموت، الذي يباغته بدون مقدمات، والذي لا يميز بين الغني والفقير، ولا بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الصغير والكبير. إن حقيقة مشكلة الإنسان هي محاولته تجاهل الموت، ورفض وجوده في الأصل. تكشف هذه القصة قصور الإنسان عن فهم حقيقة الأقدار بقوله: « أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». يعتذر الإنسان مرة بعد مرة، ويتوب كل مرة عما يصدر منه من سلوك عدم الرضا تجاه قدره المحتوم، فيقول: «إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا». يصف سيدنا موسى حالة عجز عقل الإنسان عن فهم التفاصيل الخفية وراء الأحداث التي تحمل من ورائها الخير أو الشر، والنعم أو المصائب. يجدد الإنسان العهد مرة بعد مرة، ولكن سرعان ما يصيبه حدث مؤلم ينسى العهد الذي وعد به مرة أخرى. اندهش سيدنا موسى عليه السلام من فعل معلمه، حينما رآه يقضى ليله في بناء جدار أهل القرية الذين أبوا ضيافتهم، فيعترض عليه هذه المرة إعتراضا خفيفا، وهو يدرك أنه يخالف المتفق عليه، لكنه لم يستطع تحمل ما يراه، لذلك قال على استحياء: لو أنك طلبت منهم مقابلا من أجل عملك هذا. « قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا». تحمل هذه القصة معاني روحية عميقة، حيث تبيننا كيف تخفي المصائب جوهر الرحمة، وكيف ترتدي النعم ثياب الأحداث المؤلمة. فاستعن بلطف الله الخفي لتتحمل أقدارك التي لا تدرك مراميها، واسترشد بنصيحة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» مسلم.

نبذة عن الكاتب

محمد بن عياد

مرشد روحي في مستشفى VUMC بمدينة أمستردام. محاضر زائر في العديد من الجامعات وخطيب الجمعة. متخصص في مجال أصول الدين والفقه الإسلامي. يكتب ويتحدث عن الأخلاق في مجال الرعاية الصحية والإسلام.

المقالات المرتبطة