تأملات في قصة ذي القرنين

Quran

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»  

إن كتاب الله عز وجل مليئ بالقصص التربوية، فالقصة القرآنية عبرة للمتأمل، وهداية للمسترشد. نتحدث اليوم بعون الله عن قصة قرآنية تحث المسلم والمسلمة على الأخذ بالأسباب، والتعاون على الخير، والإلتزام بالعدالة والمساواة، والشكر لله عز وجل على نعمه. قصة اليوم عن رجل صالح يعطينا صورة مشرفة عن الإنسان المتحضر الذي يسخر كل إمكاناته الروحية والعلمية والمادية لخدمة الإنسانية، وإنقاذ الناس من ظلمات الدنيا إلى نورالله، ومن عبادة المادة إلى عبادة الله عز وجل. إن الإيمان بالله، والمقاصد النبيلة، أساس كل حضارة مشرقة، حضارة تحكمها مبادئ وقيم ربانية. بطل قصتنا اليوم هو ذو القرنين: كانت حياته مليئة بالرحلات الدائبة، والنشاط المتجدد. قد جاب الأرض غربا وشرقا في خدمة الإنسانية. يخبرنا القرآن الكريم عن رحالة ذي القرنين بقوله: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ». لقد اتصف ذو القرنين بصفات المصلح العادل، فيسر الله له وسائل لتحقيق الإصلاح والعدل في مجتمعه. نقرأ في القرآن: «وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ، فَأَتْبَعَ سَبَبًا». انطلق رحالة ذو القرنين من نقطة مجهولة، وسلك طريقه متجها نحو الغرب، حاملا معه سائر ما يحتاجه هو ومن معه في رحلتهم. لرُقي أخلاقه حظي ذو القرنين بالكثير من التقدير والإحترام بين الناس. لقد توفرت لدى ذو القرنين كل من القدرة العقلية والنفسية والمادية. تعد القوة العقلية من أهم ما وهبها الله للإنسان، فمن خلالها يستطيع الإنسان تحليل الأمور والإبداع والتخطيط واتخاذ القرارات النافعة. كما تمثل القوة النفسية القوة الخفية للإنسان، بالإيمان بالله تعالى والصدق والإخلاص هي مصدر الطاقة، ومحطة الدعم، التي تضمن للإنسان السلام الداخلي، وتنشيط الذكاء، والرحمة بالآخرين. إن القوة النفسية تجعل الشخص قويا في نفسه، وقويا بنفسه، ومتوازنا في الأزمات، وصابرا عند الصدمات. انطلق ذو القرنين «حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ ». في المكان الذي تغرب فيه الشمس أصبح ذو القرنين ملجأ المظلومين، ومأمن الخائفين. يعطي ذو القرنين مثالا لكل من يريد أن يسخر مواهبه في مساندة الضعفاء والمحرومين من نيل حقوقهم. «قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا 86». خُير ذو القرنين بين معاقبة المخالفين للمبادئ العامة، وبين معاملتهم بالعفو والإحسان. كان لذي القرنين من الحكمة وحسن التصرف. «قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا». بهذا القول أعلن ذو القرنين عن دستوره في كيفية تسيير البلاد التي ينزل بها، كي يتمتع فيها المواطن الصالح بكرامة، وصيانة لحقوقه. لقد جمع ذو القرنين بين الأخذ بالأسباب المادية وبين الأسباب الأخلاقية.

لَهُ» البقرة: 184. « وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» مسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

بعد أن استقرب الأوضاع في المغرب انطلق ذو القرنين متجها هذه المرة نحو المشرق. في كل الرحلات لم يحدد القرآن الكريم المكان بعينه، بل اكتفى بوصف طبيعته وحالة سكانه، حيث قال: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا» الكهف. إنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس شيء، وهذا الوصف ينطبق على الصحارى والسهوب الواسعة. كلما قرر ذو القرنين أن يتجه نحو مكان معين اتخذ الأسباب اللازمة. كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك بكل وضوح عندما كرر قوله تعالى: «اتبَعَ سَبَبًا» ثلاث مرات، وللتأكيد أيضا على أهمية اتخاذ الأسباب، واظهار مركزيتها في هذه القصة. بعد أن أنهى ذو القرنين مهمته في مطلع الشمس اتجه نحو بين السدين: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ» الكهف. لا يستطيع أحد أن يجزم مكان وجود السدين، ولا ما هما. كل ما يخبر به القرآن الكريم أنهما حاجزين بينهما فجوة. سكان بين السدين لا يعرفون شيئا من لغة غيرهم ولم يكن في قوم ذي القرنين من يفهم لغتهم، «وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا»الكهف: 92-93. فكانت لغة الإشارة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل معهم. « قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» الكهف. لقد ورد في تراثنا الإسلامي في مسألة تحديد مكان مغرب الشمس ومشرقها، ومكان بين السدين، ومن هم ياجوج وماجوج كثير من الأقاويل التي تقرب أن تكون من ألأساطير، فحقيقة هذه القضايا تبقى سرا من أسرار الله تعالى. على المسلم أن ينصب اهتمامه إلى التأمل في الدروس المستفادة من هذه القصة. كان سكان بين السدين يتعرضون من حين إلى آخر لهجوم شديد من قبل ياجوج وماجوج، فلما رأوا من قوة عزيمة ذي القرنين، ورحمته بالناس طلبوا منه أن يحميهم، وعرضوا عليه أموالا مقابل أن يبني لهم سدا منيعا يشد تلك الفجوة التي بين السدين، ليمنعوا أذى ياجوج وماجوج. قالوا: «فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سُدًّا» الكهف. كان ذو القرنين رجلا ذو مروءة، فمن خلال هذه القصة يعلمنا العفة والقناعة، فلما عرض عليه المال مقابل عمله: « قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ» لست بحاجة إلى مال، لقد أغناني ربي من فضله. أراد ذو القرنين أن يحرك هممهم، وهمم الناس جميعا، لذلك دعاهم للمشاركة في البناء وتغيير واقعهم المؤلم، قال: «فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا». من خلال مشاركتهم في البناء، أراد أن يجعل حدا لموفهم السلبي و أن يبرهن لهم أن بناء السد كان بمقدورهم. قال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا» الكهف. من خلال هذه القصة يعلمنا ذو القرنين قيم التعاون والترابط الإجتماعي بين الناس على اختلاف انتمائاتهم الدينية أو العرقية. وإن مقياس تطور المجتمع إنما يكون بمقدار وجود ثقافة العمل التطوعي، منتشرا بين الأفراد و الجماعات لحماية كرامة الإنسان في المجتمع. «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» البقرة: 184. « وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» مسلم.

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»  

إن كتاب الله عز وجل مليئ بالقصص التربوية، فالقصة القرآنية عبرة للمتأمل، وهداية للمسترشد. نتحدث اليوم بعون الله عن قصة قرآنية تحث المسلم والمسلمة على الأخذ بالأسباب، والتعاون على الخير، والإلتزام بالعدالة والمساواة، والشكر لله عز وجل على نعمه. قصة اليوم عن رجل صالح يعطينا صورة مشرفة عن الإنسان المتحضر الذي يسخر كل إمكاناته الروحية والعلمية والمادية لخدمة الإنسانية، وإنقاذ الناس من ظلمات الدنيا إلى نورالله، ومن عبادة المادة إلى عبادة الله عز وجل. إن الإيمان بالله، والمقاصد النبيلة، أساس كل حضارة مشرقة، حضارة تحكمها مبادئ وقيم ربانية. بطل قصتنا اليوم هو ذو القرنين: كانت حياته مليئة بالرحلات الدائبة، والنشاط المتجدد. قد جاب الأرض غربا وشرقا في خدمة الإنسانية. يخبرنا القرآن الكريم عن رحالة ذي القرنين بقوله: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ». لقد اتصف ذو القرنين بصفات المصلح العادل، فيسر الله له وسائل لتحقيق الإصلاح والعدل في مجتمعه. نقرأ في القرآن: «وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ، فَأَتْبَعَ سَبَبًا». انطلق رحالة ذو القرنين من نقطة مجهولة، وسلك طريقه متجها نحو الغرب، حاملا معه سائر ما يحتاجه هو ومن معه في رحلتهم. لرُقي أخلاقه حظي ذو القرنين بالكثير من التقدير والإحترام بين الناس. لقد توفرت لدى ذو القرنين كل من القدرة العقلية والنفسية والمادية. تعد القوة العقلية من أهم ما وهبها الله للإنسان، فمن خلالها يستطيع الإنسان تحليل الأمور والإبداع والتخطيط واتخاذ القرارات النافعة. كما تمثل القوة النفسية القوة الخفية للإنسان، بالإيمان بالله تعالى والصدق والإخلاص هي مصدر الطاقة، ومحطة الدعم، التي تضمن للإنسان السلام الداخلي، وتنشيط الذكاء، والرحمة بالآخرين. إن القوة النفسية تجعل الشخص قويا في نفسه، وقويا بنفسه، ومتوازنا في الأزمات، وصابرا عند الصدمات. انطلق ذو القرنين «حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ ». في المكان الذي تغرب فيه الشمس أصبح ذو القرنين ملجأ المظلومين، ومأمن الخائفين. يعطي ذو القرنين مثالا لكل من يريد أن يسخر مواهبه في مساندة الضعفاء والمحرومين من نيل حقوقهم. «قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا 86». خُير ذو القرنين بين معاقبة المخالفين للمبادئ العامة، وبين معاملتهم بالعفو والإحسان. كان لذي القرنين من الحكمة وحسن التصرف. «قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا». بهذا القول أعلن ذو القرنين عن دستوره في كيفية تسيير البلاد التي ينزل بها، كي يتمتع فيها المواطن الصالح بكرامة، وصيانة لحقوقه. لقد جمع ذو القرنين بين الأخذ بالأسباب المادية وبين الأسباب الأخلاقية.

لَهُ» البقرة: 184. « وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» مسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما  بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

بعد أن استقرب الأوضاع في المغرب انطلق ذو القرنين متجها هذه المرة نحو المشرق. في كل الرحلات لم يحدد القرآن الكريم المكان بعينه، بل اكتفى بوصف طبيعته وحالة سكانه، حيث قال: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا» الكهف. إنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس شيء، وهذا الوصف ينطبق على الصحارى والسهوب الواسعة. كلما قرر ذو القرنين أن يتجه نحو مكان معين اتخذ الأسباب اللازمة. كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك بكل وضوح عندما كرر قوله تعالى: «اتبَعَ سَبَبًا» ثلاث مرات، وللتأكيد أيضا على أهمية اتخاذ الأسباب، واظهار مركزيتها في هذه القصة. بعد أن أنهى ذو القرنين مهمته في مطلع الشمس اتجه نحو بين السدين: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ» الكهف. لا يستطيع أحد أن يجزم مكان وجود السدين، ولا ما هما. كل ما يخبر به القرآن الكريم أنهما حاجزين بينهما فجوة. سكان بين السدين لا يعرفون شيئا من لغة غيرهم ولم يكن في قوم ذي القرنين من يفهم لغتهم، «وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا»الكهف: 92-93. فكانت لغة الإشارة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل معهم. « قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» الكهف. لقد ورد في تراثنا الإسلامي في مسألة تحديد مكان مغرب الشمس ومشرقها، ومكان بين السدين، ومن هم ياجوج وماجوج كثير من الأقاويل التي تقرب أن تكون من ألأساطير، فحقيقة هذه القضايا تبقى سرا من أسرار الله تعالى. على المسلم أن ينصب اهتمامه إلى التأمل في الدروس المستفادة من هذه القصة. كان سكان بين السدين يتعرضون من حين إلى آخر لهجوم شديد من قبل ياجوج وماجوج، فلما رأوا من قوة عزيمة ذي القرنين، ورحمته بالناس طلبوا منه أن يحميهم، وعرضوا عليه أموالا مقابل أن يبني لهم سدا منيعا يشد تلك الفجوة التي بين السدين، ليمنعوا أذى ياجوج وماجوج. قالوا: «فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سُدًّا» الكهف. كان ذو القرنين رجلا ذو مروءة، فمن خلال هذه القصة يعلمنا العفة والقناعة، فلما عرض عليه المال مقابل عمله: « قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ» لست بحاجة إلى مال، لقد أغناني ربي من فضله. أراد ذو القرنين أن يحرك هممهم، وهمم الناس جميعا، لذلك دعاهم للمشاركة في البناء وتغيير واقعهم المؤلم، قال: «فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا». من خلال مشاركتهم في البناء، أراد أن يجعل حدا لموفهم السلبي و أن يبرهن لهم أن بناء السد كان بمقدورهم. قال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا» الكهف. من خلال هذه القصة يعلمنا ذو القرنين قيم التعاون والترابط الإجتماعي بين الناس على اختلاف انتمائاتهم الدينية أو العرقية. وإن مقياس تطور المجتمع إنما يكون بمقدار وجود ثقافة العمل التطوعي، منتشرا بين الأفراد و الجماعات لحماية كرامة الإنسان في المجتمع. «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» البقرة: 184. « وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» مسلم.

نبذة عن الكاتب

محمد بن عياد

مرشد روحي في مستشفى VUMC بمدينة أمستردام. محاضر زائر في العديد من الجامعات وخطيب الجمعة. متخصص في مجال أصول الدين والفقه الإسلامي. يكتب ويتحدث عن الأخلاق في مجال الرعاية الصحية والإسلام.

المقالات المرتبطة