التكليف الإسلامي مشروط بالإستطاعة

رعاية المسنين في الإسلام

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجَنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

شرع الله لنا من الدين ما تستقيم به الحياة، ويسعد بها الإنسان، وتترسخ به القيم والمبادئ الإنسانية.  «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا» إن الله لم يكلف عباده بما يشق عليهم، ولم يحملهم ما لا يطيقون. إن الله عز وجل أعلم بأحوال خلقه، وأدرى بقدراتهم. فقد بين سبحانه وتعالى أن التكليف الإلاهي مقترن بقدرة المكلف. «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا» كما اتفق علماء المسلمين على أن الإستطاعة شرط من شروط التكليف، فالزاد والراحلة من قبيل القدرة للحج وبدونهما يرتفع التكليف عن المسلم بالحج. قال الله تعالى: «وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» آل عمران: 97. فالإستطاعة قاعدة قرآنية، وهي من أعظم القواعد الشرعية التي دل عليها قول الله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» التغابن: 16. فلا يمكن للإنسان أن يتخلى عن التقوى، فالتقوى تلزمه في كل الأزمان والأحوال، وكذلك يعم شرط الإستطاعة كل الأزمان والأحوال. فليس في قوله تعالى:«مَا اسْتَطَعْتُمْ» تخفيف ولا تشديد، ولكن وسطية وانصاف. إن مقتضى رحمة الله تعالى أن التكاليف الإسلامية كلها منوطة بالقدرة والاستطاعة على أدائها.  وإذا سقط وجوب التكليف بسبب العجز أو المشقة، فلا يسقط الإنتقال إلى الأخف الممكن. وذلك عملا بالقاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور. بل ينتقل الحكم إلى أحد التخفيفات الشرعية، وأنواعها هي تخفيف إسقاط، كإسقاط الجمعات، والصوم، والحج، و تخفيف تنقيص، كقصر الصلاة الرباعية، و تخفيف إبدال، كإبدال الغسل والوضوء بالتيمم، والقيام في الصلاة بالجلوس، ووجوب الصوم إلى الفدية، وتخفيف تقديم، كتقديم صلاة العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، و تخفيف تأخير، كتأخير صلاة الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء. وإن سقوط المعسور لا ينقص الأجر. قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» البخاري.

تؤكد الآيات القرآنية على أن التخفيف، ورفع الحرج والمشقة على الناس مبدأ من مبادئ الإسلام، ومقصد من مقاصده، وإن أحكام الإسلام مبنية على التيسير ومصالح العباد. ومن تمام كرم الله عز وجل ولطفه وعده سبحانه بالثواب الكامل والأجر التام، لكل من أصابته علة منعته من الإتيان بما فرض عليه من العبادات. جعل الله سبحانه وتعالى الإستطاعة بعد العقل والعلم مناط التكليف بواجبات الإسلام، فالعاقل العالم بالحكم الشرعي لا يجب عليه إلا إذا كان مستطيعا قادرا عليه. وتأكيدا على سلف ذكره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» البخاري. وعن ابْن عمر رضي الله عنه قال: « كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتَ » أبو داود‏.‏ إن الإستطاعة أمر نسبي، فكلما زاد قدر الإستطاعة زال جزء من العجز، وزاد قدر من التكليف. فالإستطاعة والتكليف متلازمان في تخفيف الواجب أو إتمامه، فعلى قدر الإستطاعة يكون التكليف. فمن منعه المرض من القيام للصلاة، صلى جالسا، فإذا خفف المرض، واستطاع المريض القيام للصلاة، صلى قائما. وهذا المثال من معاني ودلالات العمل بقوله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» التغابن: 16. فهذه الآية الكريم تسدي على المسلم والمسلمة الطمأنينة والسكينة ما دام أنه يتقي الله ما استطاع. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى يسر الإسلام وسماحته. «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» البخاري. إن المشقة البدنية تجلب التخفيف والمشقة النفسية من الوسوسة وحديث النفس تجلب عفو الله، قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» مسلم.

المراجع:

الجامع لأحكام القرآن للإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي

القاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور: دراسة تأصيلية للدكتور مصطفى علي الجهاني

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وجعل له السمع والبصر والجَنان سبحانه أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلانية، فهي أساس الفضائل، وحصن المحامد، «واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

شرع الله لنا من الدين ما تستقيم به الحياة، ويسعد بها الإنسان، وتترسخ به القيم والمبادئ الإنسانية.  «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا» إن الله لم يكلف عباده بما يشق عليهم، ولم يحملهم ما لا يطيقون. إن الله عز وجل أعلم بأحوال خلقه، وأدرى بقدراتهم. فقد بين سبحانه وتعالى أن التكليف الإلاهي مقترن بقدرة المكلف. «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا» كما اتفق علماء المسلمين على أن الإستطاعة شرط من شروط التكليف، فالزاد والراحلة من قبيل القدرة للحج وبدونهما يرتفع التكليف عن المسلم بالحج. قال الله تعالى: «وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» آل عمران: 97. فالإستطاعة قاعدة قرآنية، وهي من أعظم القواعد الشرعية التي دل عليها قول الله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» التغابن: 16. فلا يمكن للإنسان أن يتخلى عن التقوى، فالتقوى تلزمه في كل الأزمان والأحوال، وكذلك يعم شرط الإستطاعة كل الأزمان والأحوال. فليس في قوله تعالى:«مَا اسْتَطَعْتُمْ» تخفيف ولا تشديد، ولكن وسطية وانصاف. إن مقتضى رحمة الله تعالى أن التكاليف الإسلامية كلها منوطة بالقدرة والاستطاعة على أدائها.  وإذا سقط وجوب التكليف بسبب العجز أو المشقة، فلا يسقط الإنتقال إلى الأخف الممكن. وذلك عملا بالقاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور. بل ينتقل الحكم إلى أحد التخفيفات الشرعية، وأنواعها هي تخفيف إسقاط، كإسقاط الجمعات، والصوم، والحج، و تخفيف تنقيص، كقصر الصلاة الرباعية، و تخفيف إبدال، كإبدال الغسل والوضوء بالتيمم، والقيام في الصلاة بالجلوس، ووجوب الصوم إلى الفدية، وتخفيف تقديم، كتقديم صلاة العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، و تخفيف تأخير، كتأخير صلاة الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء. وإن سقوط المعسور لا ينقص الأجر. قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» البخاري.

تؤكد الآيات القرآنية على أن التخفيف، ورفع الحرج والمشقة على الناس مبدأ من مبادئ الإسلام، ومقصد من مقاصده، وإن أحكام الإسلام مبنية على التيسير ومصالح العباد. ومن تمام كرم الله عز وجل ولطفه وعده سبحانه بالثواب الكامل والأجر التام، لكل من أصابته علة منعته من الإتيان بما فرض عليه من العبادات. جعل الله سبحانه وتعالى الإستطاعة بعد العقل والعلم مناط التكليف بواجبات الإسلام، فالعاقل العالم بالحكم الشرعي لا يجب عليه إلا إذا كان مستطيعا قادرا عليه. وتأكيدا على سلف ذكره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» البخاري. وعن ابْن عمر رضي الله عنه قال: « كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتَ » أبو داود‏.‏ إن الإستطاعة أمر نسبي، فكلما زاد قدر الإستطاعة زال جزء من العجز، وزاد قدر من التكليف. فالإستطاعة والتكليف متلازمان في تخفيف الواجب أو إتمامه، فعلى قدر الإستطاعة يكون التكليف. فمن منعه المرض من القيام للصلاة، صلى جالسا، فإذا خفف المرض، واستطاع المريض القيام للصلاة، صلى قائما. وهذا المثال من معاني ودلالات العمل بقوله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» التغابن: 16. فهذه الآية الكريم تسدي على المسلم والمسلمة الطمأنينة والسكينة ما دام أنه يتقي الله ما استطاع. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى يسر الإسلام وسماحته. «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» البخاري. إن المشقة البدنية تجلب التخفيف والمشقة النفسية من الوسوسة وحديث النفس تجلب عفو الله، قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» مسلم.

المراجع:

الجامع لأحكام القرآن للإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي

القاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور: دراسة تأصيلية للدكتور مصطفى علي الجهاني

نبذة عن الكاتب

محمد بن عياد

مرشد روحي في مستشفى VUMC بمدينة أمستردام. محاضر زائر في العديد من الجامعات وخطيب الجمعة. متخصص في مجال أصول الدين والفقه الإسلامي. يكتب ويتحدث عن الأخلاق في مجال الرعاية الصحية والإسلام.

المقالات المرتبطة