الإنسان بين الجوهر والمظهر

الإنسان بين الجوهر والمظهر

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد لله الذي هدانا لنعمة الإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله،«واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

عندما نستعرض تعريف حقيقة جوهر لإنسان عبر تاريخ البشرية، نجد التعريفات المختلفة والمتباينة. يرجع كل تعريف للإنسان إلى  ثقافة واعتقاد المعرف ، فيرجع هذا الخلاف إذا إلى تعدد المعتقدات والثقافات، ونحن باعتبار عقيدتنا الإسلامية نجزم أن تعريف القرآن الكريم  هوأصح تعريف لحقيقة الإنسان. إن الإنسان من حيث الحجم والزمان مخلوق ضئيل، فجسم الإنسان بالنسبة للمخلوقات الأخرى صغير، وعمره قصير. حصيلة حياة الإنسان على أقصى حد سنوات معدودات، وان قيل لهم:كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمالكهف: 19. فما قيمة الإنسان ياترى من ناحية مكونات عناصره، ومن الناحية المكان والزمان، فإذا حللت عناصره وجدته مجموعة من الحديد والفسفور. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ الحجر: 28-29. فمن الناحية مكوناته المادية فليس له أي قيمة، وإنما قيمته في الروح الرباني الذي نُفخ فيه من قبل الله تعالى، ومن أجل هذه النفخة الربانية أمر الله الملائكة أن تسجد له تحية وتكريما. جَعلت هذه الجوهرة الروحانية للإنسان مكانة ورفعة في السموات العلا وفي الأرض. فقيمته ليست في عظم جسمه وقوة عضلاته، فلو كان كذلك لكان الفيل أعظمَ درجة منه، ومن أجل هذه الروح الإلهي التي تسري بين جنبيه سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعا. قال تعالى: اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ 32 وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ 33 وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ 34 ابراهيم.

خلق الله الإنسان لينشر الخير والأمان في الأرض، لا ليرعب العباد ويفسد في الأرض بعد اصلاحها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإنسان بقوله: » إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ «ابن ماجه. في كل إنسان نكتة من النور تشكل فيه القابلية نحو الخير والصلاح، فيكون بذلك مفتاح الخير، وسفير الهداية، وناشرالصلاح، وفيه أيضا نكتة من الظلام تشكل فيه القابلية للنزوع نحو الشر والضلال، فيكون بذلك مفتاح الشر، وناشر الفساد، ومروع العباد. كل ذلك خاضع لأي قابلية يقوم الإنسان على تعزيزها، فالإنسان السوي يقوم على تعزيز وتنمية قابليته نحو الخير والصلاح، فيحقق بذلك طاعة ربه في السماء، والأمن والسلام في الأرض. إن عبادة الله تعالى وطاعته هي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فبطاعة الله تعالى يسموا الإنسان روحيا وأخلاقيا. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ البينة: 7. كما أن عند الإنسان القابلية للإرتقاء في السلوك الحسن، عنده أيضا القابلية في التردي الأخلاقي واتباع الشهوات، لتحصيل أكبر قسط من اللذة العاجلة، ومن أجل الشهوة يسفك الإنسان الدماء، ويضطهد المواطنين المسالمين، وكل ما نراه من الجرائم ضد الإنسانية هنا وهناك سببه الحقد الدفين في نفوس بعض الناس. قال تعالى: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ  مِنْ عَهْد وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرهمْ لَفَاسِقِينَ  الأعراف: 102.

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

لقد بسط الله القول في آيات كثيرة لتحديد حقيقة الإنسان المعنوية، المتأرجحة بين درجة أحسن تقويم، وأسفل سافلين، قال تعالى:  فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى 5 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى 6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى 7 وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى 8 وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى 9 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى 10الليل. قسم الله تعالى في هذه الآيات الناس على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم إلى صنفين، الصنف الأول: آمن بالله تعالى، فانضبط بجوهر تعاليم القرآن، فعبد ربه، وأحسن معاشرة الناس، فسعد في الدنيا والآخرة، والصنف الثاني: غفل عن الله تعالى، فابتعد عن جوهر تعاليم القرآن، فعبد هواه، وأساء معاشرة الناس، فشقي في الدنيا والآخرة. صنف القرآن الكريم الناس تصنيفا موضوعيا بحسب الإيمان والعمل، لا تصنيفا انتمائيا. إن منبع آلام الإنسان ومعاناته هي أطماعه التي تتحول إلى براكين في أعماق نفسه، ففي الآيات البينات  يخبرنا القرآن الكريم عن حقيقة نفسية الإنسان:   إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاًالمعارج، ويصفه ايضا بالكفور والجحود والضعيف والعجول والظالم الشرّير.  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ابراهيم 34. وقال تعالى:  وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًاالكهف: 54. وقال تعالى:  وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا الإسراء:11. وقال تعالى:يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا النساء: 28. كما أن للإنسان نشأة مادية ظاهرية، له أيضا نشأة روحية باطنية، وللنشأة الروحية جنود نورانية تجذب النفس إلى طاعة الله تعالى وفعل الخير، وجنودٌ شيطانيّةٌ تجذب النفسَ نحو عصيان الله تعالى وفعل الشر، يعد الإنسان من أفضل مخلوقات الله تعالى وأخيرها، وفي نفس الوقت قد يكون من أسوأها وأشرها،  فمكانة كلّ إنسانٍ مرهونةٌ بمدى إيمانه وعمله. «إنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ» ‏ الترمذي.

الحمد لله الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته، وجعل الثواب اظهارا لإحسانه، والعفو عنوانا لرحمته. الحمد لله الذي هدانا لنعمة الإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. واشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبَنا  وقرةَ أعينِنا محمَّدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبُه، بلغ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصح الأمّةَ وكشف الغمة، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين

معشر الإخوة والأخوات: أصيكم ونفسي بتقوى الله،«واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»

عندما نستعرض تعريف حقيقة جوهر لإنسان عبر تاريخ البشرية، نجد التعريفات المختلفة والمتباينة. يرجع كل تعريف للإنسان إلى  ثقافة واعتقاد المعرف ، فيرجع هذا الخلاف إذا إلى تعدد المعتقدات والثقافات، ونحن باعتبار عقيدتنا الإسلامية نجزم أن تعريف القرآن الكريم  هوأصح تعريف لحقيقة الإنسان. إن الإنسان من حيث الحجم والزمان مخلوق ضئيل، فجسم الإنسان بالنسبة للمخلوقات الأخرى صغير، وعمره قصير. حصيلة حياة الإنسان على أقصى حد سنوات معدودات، وان قيل لهم:كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمالكهف: 19. فما قيمة الإنسان ياترى من ناحية مكونات عناصره، ومن الناحية المكان والزمان، فإذا حللت عناصره وجدته مجموعة من الحديد والفسفور. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ الحجر: 28-29. فمن الناحية مكوناته المادية فليس له أي قيمة، وإنما قيمته في الروح الرباني الذي نُفخ فيه من قبل الله تعالى، ومن أجل هذه النفخة الربانية أمر الله الملائكة أن تسجد له تحية وتكريما. جَعلت هذه الجوهرة الروحانية للإنسان مكانة ورفعة في السموات العلا وفي الأرض. فقيمته ليست في عظم جسمه وقوة عضلاته، فلو كان كذلك لكان الفيل أعظمَ درجة منه، ومن أجل هذه الروح الإلهي التي تسري بين جنبيه سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعا. قال تعالى: اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ 32 وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ 33 وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ 34 ابراهيم.

خلق الله الإنسان لينشر الخير والأمان في الأرض، لا ليرعب العباد ويفسد في الأرض بعد اصلاحها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإنسان بقوله: » إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ «ابن ماجه. في كل إنسان نكتة من النور تشكل فيه القابلية نحو الخير والصلاح، فيكون بذلك مفتاح الخير، وسفير الهداية، وناشرالصلاح، وفيه أيضا نكتة من الظلام تشكل فيه القابلية للنزوع نحو الشر والضلال، فيكون بذلك مفتاح الشر، وناشر الفساد، ومروع العباد. كل ذلك خاضع لأي قابلية يقوم الإنسان على تعزيزها، فالإنسان السوي يقوم على تعزيز وتنمية قابليته نحو الخير والصلاح، فيحقق بذلك طاعة ربه في السماء، والأمن والسلام في الأرض. إن عبادة الله تعالى وطاعته هي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فبطاعة الله تعالى يسموا الإنسان روحيا وأخلاقيا. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ البينة: 7. كما أن عند الإنسان القابلية للإرتقاء في السلوك الحسن، عنده أيضا القابلية في التردي الأخلاقي واتباع الشهوات، لتحصيل أكبر قسط من اللذة العاجلة، ومن أجل الشهوة يسفك الإنسان الدماء، ويضطهد المواطنين المسالمين، وكل ما نراه من الجرائم ضد الإنسانية هنا وهناك سببه الحقد الدفين في نفوس بعض الناس. قال تعالى: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ  مِنْ عَهْد وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرهمْ لَفَاسِقِينَ  الأعراف: 102.

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

معشر الإخوة والأخوات:

لقد بسط الله القول في آيات كثيرة لتحديد حقيقة الإنسان المعنوية، المتأرجحة بين درجة أحسن تقويم، وأسفل سافلين، قال تعالى:  فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى 5 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى 6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى 7 وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى 8 وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى 9 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى 10الليل. قسم الله تعالى في هذه الآيات الناس على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم إلى صنفين، الصنف الأول: آمن بالله تعالى، فانضبط بجوهر تعاليم القرآن، فعبد ربه، وأحسن معاشرة الناس، فسعد في الدنيا والآخرة، والصنف الثاني: غفل عن الله تعالى، فابتعد عن جوهر تعاليم القرآن، فعبد هواه، وأساء معاشرة الناس، فشقي في الدنيا والآخرة. صنف القرآن الكريم الناس تصنيفا موضوعيا بحسب الإيمان والعمل، لا تصنيفا انتمائيا. إن منبع آلام الإنسان ومعاناته هي أطماعه التي تتحول إلى براكين في أعماق نفسه، ففي الآيات البينات  يخبرنا القرآن الكريم عن حقيقة نفسية الإنسان:   إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاًالمعارج، ويصفه ايضا بالكفور والجحود والضعيف والعجول والظالم الشرّير.  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ابراهيم 34. وقال تعالى:  وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًاالكهف: 54. وقال تعالى:  وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا الإسراء:11. وقال تعالى:يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا النساء: 28. كما أن للإنسان نشأة مادية ظاهرية، له أيضا نشأة روحية باطنية، وللنشأة الروحية جنود نورانية تجذب النفس إلى طاعة الله تعالى وفعل الخير، وجنودٌ شيطانيّةٌ تجذب النفسَ نحو عصيان الله تعالى وفعل الشر، يعد الإنسان من أفضل مخلوقات الله تعالى وأخيرها، وفي نفس الوقت قد يكون من أسوأها وأشرها،  فمكانة كلّ إنسانٍ مرهونةٌ بمدى إيمانه وعمله. «إنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ» ‏ الترمذي.

نبذة عن الكاتب

محمد بن عياد

مرشد روحي في مستشفى VUMC بمدينة أمستردام. محاضر زائر في العديد من الجامعات وخطيب الجمعة. متخصص في مجال أصول الدين والفقه الإسلامي. يكتب ويتحدث عن الأخلاق في مجال الرعاية الصحية والإسلام.

المقالات المرتبطة